الاثنين، 4 يونيو 2018

(الفصل بين التراويح والقيام)

(الفصل بين التراويح والقيام)


التفريق في الحكم بناء على التسمية لا دليل عليه ، فلا ينبني حكم من أحكام صلاة الليل لمجرد تسميتها بتراويح أو قيام ، فكلاهما قيام ليل .

قال الشيخ عبدالله أبا بطين - رحمه الله - : (ما يجري على ألسنة العوام من تسميتهم ما يُفعل أول الليل تراويح ، وما يصلى بعد ذلك قياماً ، فهو تفريق عامي ، بل الكل قيام وتراويح ، وإنما سُمِّي قيام رمضان تراويح ؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات من أجل أنهم كانوا يطيلون الصلاة ) . [ الدرر السنية (٣٦٩/٤) ]

وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - : (الصلاة في رمضان كلها تراويح) . [ الفتاوى (٣٣٨/١١) ]

وقد ظن بعضهم أن هذا الفصل بين صلاة أول الليل وآخره هو التعقيب الذي ذكره الفقهاء ، وكرهه بعضهم .

وقد نبَّه الشيخ عبدالله أبا بطين - رحمه الله - إلى خطأ هذا الظن بقوله : (وما يظنه بعض الناس من أن صلاتنا في العشر هي : صلاة التعقيب ، الذي كرهه بعض العلماء ، فليس كذلك ؛ لأن التعقيب هو : التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر ، هذه عبارة جميع الفقهاء في تعريف التعقيب أنه التطوع جماعة بعد الوتر عقب التراويح ، فكلامهم ظاهر في أن الصلاة جماعة قبل الوتر ليس هو التعقيب) . [ الدرر السنية (٢٧٠/٤) ]

ثم على فرض أنه التعقيب فأكثر الفقهاء على عدم الكراهة .

قال ابن رجب - رحمه الله - : (أكثر الفقهاء على أنه لا يُكره التعقيب بحال) . [ فتح الباري (٢٥٩/٦) ]

ثم بعض من كرهه من أهل العلم كالحسن البصري - رحمه الله - كرهه لمعنى آخر ، وهو ما صرح به في قوله حين سُئل عن التعقيب : (لا تملوا الناس) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه .

قال ابن رجب معلقاً على قول الحسن : (وهذه الكراهة لمعنى آخر غير الصلاة بعد الوتر) . [ فتح الباري (٢٥٩/٦) ]

نقل الكوسج عن إسحاق - رحمهما الله - أنه إذا أتم الإمام التراويح في أول الليل كره له أن يصلي بهم آخره جماعة أخرى ، (وتمام التراويح أن يختمها بوتر) ، أما إذا لم يتم بهم في أوله فله أن يتمها في آخر الليل ، وعلى ذلك فلا يُكره . [ مسائل الكوسج (٨٤٠/٢) رقم المسألة (٤٩٢) ، والفتح لابن رجب (٢٥٩/٦) ]

فالفصل بين صلاة صلاة أول الليل وآخره ليس بمحدث ، بل هو ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : (بتُّ في بيت خالتي ميمونة فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء ، ثم جاء فصلى أربع ركعات ، ثم نام ، ثم قام ، فجئت فقمت عن يساره ، فجعلني عن يمينه ، فصلى خمس ركعات ، ثم صلى ركعتين ثم نام ، حتى سمعت مطيطه ، أو قال : خطيطه ، ثم خرج إلى الصلاة) .

وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال عن التعقيب : لا بأس به إنما يرجعون إلى خير يرجونه ، ويبرؤون من شر يخافونه .

قال الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - : (والحقيقة الأمر أنه لفضيلة العشر الأواخر يضيفون إلى صلاة التراويح في أول الليل صلاة التهجد في آخره ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها : (إذا دخلت العشر جدَّ واجتهد وشدَّ المئزر وأحيا ليله) ، وكان السلف يفعلون ذلك اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .

واستدلال هؤلاء الخاطئ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة حرمهم من خير كثير ؛ لأن إحدى عشرة ركعة تستغرق معظم الليل بطول القيام وطول الركوع والسجود مما لم يتنبه له هؤلاء حيث أخذوا مجرد العدد دون الصفة ، وغالب أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي في الليل وحده ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : (أيكم أمَّ الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة ، فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء) .

فلهذا لما صلى الصحابة صلاة التراويح جماعة في عهد عمر صلوها ثلاثاً وعشرين ركعة فخففوا في الصفة ، وزادوا في العدد ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ، فالثلاث والعشرين من سنة الخلفاء الراشدين ، والإحدى عشرة فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والكل سنة ، والتفاوت في العدد لتفاوت الصفة ، واختلاف حال المصلين فرادى وجماعةً .

وقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على قيام الليل ، ولم يحدد عدداً معيناً مما يدل على أن الأمر واسع ، وأنه متروك لرغبة المصلي ، ونوع صلاته ، والله أعلم) .

جاء في فتوى اللجنة الدائمة : (ولا بأس أن يزيد في عدد الركعات في العشر الأواخر عن عددها في العشرين الأُوَل ، ويقسمها إلى قسمين قسماً يصليه في أول الليل ويخففه على أنه تراويح كما في العشرين الأُوَل ، وقسماً يصليه في آخر الليل ويطيله على أنه تهجد ، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها ، وكان إذا دخلت العشر الأواخر شَمَّر ، وشدَّ المئزر ، وأحيا ليله ، وأيقظ أهله تحرياً لليلة القدر ، فالذي يقول لا يزيد في آخر الشهر عما كان يصليه في أول الشهر مخالف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من طول القيام في آخر الشهر في آخر الليل ، فالواجب اتباع سنته - صلى الله عليه وسلم - ، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده ، وحث المسلمين على صلاة التراويح وصلاة القيام لا تخذيلهم عن ذلك ، وإلقاء الشبه التي تقلل من اهتمامهم بقيام رمضان) . [ المجموعة الثانية (٦/ ٨٢_٨٣) ] 

[ مقتبس من رسالة : (مسائل صلاة الليل) للشيخ د. محمد بن فهد الفريح - تقديم : العلامة صالح بن فوزان الفوزان - (ص٣٢_٣٦) ]


مقطع:
( من يحرمون الناس من صلاة التهجد مع التراويح !! )
للعلامة صالح الفوزان

الأحد، 6 مايو 2018

.. لطفاً منك لطفاً فما أحوجنا إليك ..


.. لطفاً منك لطفاً فما أحوجنا إليك..

إن لطف الله بعباده لا حد له, ومن لطفه في قضائه ما حصل لكاتب هذه السطور قبل شهر من اشتعال لهب نار بلغ السقف سببه الغاز وقد أدى إلى حرق بعضٍ من جلد يديه وشيء من وجهه, وذهبتْ آثار تلك الحروق كلها بفضل الله, والله هو المحمود سبحانه, وحين حسحست النار أكثر شعر الوجه سلَّم الله العينين فلم تصب بأذى إلا الرهق أحياناً, ومن رأى الثوب وملبوس القدم بعد الاحتراق لظن أن لابسهما قد تلفت بعض أعضائه على الأقل ! ولكن " السالم معزول" والله خير حافظاً, فالحمد لله على لطفه, وهذا المقال أكتبه شكراً لله , وثناء عليه, واعترافاً بالفقر إليه, وعظيم الحاجة إلى إحسانه ورحمته , فاللهم ربي لك الحمد كله, لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك, نعم كم نحن والله محتاجون إلى ربنا غاية الحاجة, بل مضطرون غاية الاضطرار إليه, فحاجتنا إليه سبحانه أعظم من حاجة الطفل إلى والديه, ولا أعلم أحداً بسط الكلام حول اضطرار الخلق إلى ربهم, وحاجتهم إليه في عباداتهم وأمورهم كلها , كما فعل الإمام ابن تيمية عليه من ربه الرحمات في مواضع من كتبه ومنها على سبيل المثال الجزء الأول صفحة (20 وما بعدها) من مجموع الفتاوى, ولعل طلاب العلم يقرؤونها, ويقربون ألفاظها إلى الناس, ويشرحونها لهم, فالحاجة ماسة إلى مثلها في هذا العصر.
 وأقول: سبحان الله الذي فتح على الإمام ابن تيمية بتلك الفتوح تأملاً ونظراً وتعبيراً وتحريراً, والحمد لله أن مدنا الله بمثله, وأذكر مرة أني سألتُ شيخنا العلامة عبدالله الغديان رحمه الله عن مسألة فقهية وأن أحد علماء الحنابلة حكى عدم الخلاف فيها, ثم انصرف الكلام إلى غيرها, فزرته بعد أسبوع تقريباً فقال: المسألة تلك أشغلتني كثيراً فذهبتُ أبحث عن أدلتها وأقوال أهل العلم فيها, فوقفت على كلام محرر لابن تيمية فيها... ثم قال: (ابن تيمية مدد من الله للقرون المتأخرة).
ولما قيل للشيخ محمد بن الشيخ عبدالرحمن ابن قاسم رحمهما الله: هل لابن تيمية أبناء؟ قال: نحن أبناؤه.
عوداً على بدء أحمد الله على قضائه, وأسأله العفو والعافية, ولا شك أن قضاء الله واختياره لعبده المؤمن هو خير من اختياره لنفسه.
وقد رأيت من لطف الله في قضائه هذا ما لا أحصيه, وأما آثار القضاء كألم وقت نزوله, فالله يزيله برحمته, وابن آدم ضعيف بل هو غاية في الضعف ومحل للأقدار! كم يخطط أن يفعل كذا إن مد الله في عمره, فيعرض له ما يمنعه , بل ويعجز عن القيام به, فالله هو المعين والموفق والمسدد, ولا حول ولا قوة إلا به, فاللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك, وتحول عافيتك, وفجاءة نقمتك, وجميع سخطك.
وكل مصيبة تقع على الإنسان فبإذن الله, وليس العبرة بوقوعها بل بتسليم الأمر لله ومقابلة القضاء بالرضا (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم), رزقنا الله جميعاً التسليم لأمره, والرضا بقضائه.
وقبل أن أختم المقال أحب أن أشكر كل من سأل عن أخيه ودعا له, أو أرسل إليه, من كبار وصغار, ورجال ونساء, من داخل المملكة وخارجها, من علماء ووجهاء, ومن وزراء وأصدقاء, ومن زملاء وأحباء, ومن أقرباء وجيران أوفياء,  الذين بادروا باتصالاتهم وسؤالهم لما بلغهم الخبر, لا أراهم الله مكروهاً, وأخص منهم: سماحة المفتي العام شيخنا الفقيه عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ حرسه الرحمن, وسماحة الوالد شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان حماه ربي ورفع مقداره (والذي كان عازماً على زيارة ابنه فاعتذر ابنه إليه؛ إذ الحق لمقام الأبوة على البنوة), وشيخنا الكبير عبدالمحسن العباد الذي غمرني بلطفه وكرمه في اتصالات يوماً بعد يوم تقريباً لمجرد الاطمئنان, ولا أنساها له جزاه الله عني خير الجزاء وأوفاه  ومتعنا به.
ما زالَ يسبقُ حتَّى قالَ "غابطه" ... له طريقٌ إلى العلياءِ مُخْتصرُ
وتقبل الله ما أدعوه لمشايخي الأحياء منهم والأموات, وهم كما قال أبو الطيب:
كالبحرِ يقذِفُ للقريبِ جواهِراً ... جُوداً ويبعثُ للبعيد سحائِبا
كما أشكر الأديب الكبير الشيخ محمد بن عمر العقيل ولا أظن أن هذا الاسم مشهور بين الناس كشهرة ما اختاره لنفسه (أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري) الذي أصر على نفسه مع أنه سلخ الثمانين من عمره ليزور أخاه مع بُعد المسافة بين المنزلين, مع اعتذاري إليه أن يأتي مكتفياً باتصاله (إذ كان باب الزيارة مغلقاً تقريباً دفعاً للمشقة) لكن لا حيلة لي مع مثله.
وأقول كما قال الأول :
إن جدت فالجود شيءٌ قد عرفت به ... وإن تجافيت لم تنسب إلى لوم
ولا أنس تلك المشاعر التي ملؤها المحبة والتوقير والتقدير التي حفني بها جملة ممن أتدارس معه العلم في قاعات المعهد العالي للقضاء مسماهم "الطلاب" وهم في جملتهم مشايخ نجباء أهل فضل وأدب زادهم الله علماً نافعاً وعملاً صالحاً, وجعلهم عدة نافعة لدينهم ووطنهم.
وأما الأصدقاء فسأكتفي بذكر الكنى عن الأسماء متمثلاً قول الشاعر:
وأنزهُ اسمكَ أنْ تمرّ حروفهُ ** من غَيرَتي بمَسامِعِ الجُلاّسِ
فأقولُ بعضُ النّاسِ عنك كنايةً ** خوْفَ الوُشاةِ وَأنتَ كلّ النّاسِ
فإلى أبي محمد, وأبي خالد, وأبي ناصر, وأبي سعد, وأبي علي جزاكم الله عن أخيكم خيراً وغفر لكم, وأما الصديق الفاخر أبو صالح فلم تقر عينه "على حد قوله" حتى ركب الطائرة وقطع المسافات ليفاجئ أخاه عند المنزل وليس لأحدهما على الآخر نعمة يرُبُّها إنما المحبة في الله أدامها الله, وأسأل الله أن يسقيه من حوض نبيه صلى الله عليه وسلم, وأن يصلح له ذريته , وأن يقر عينه.
تلكَ المكارِمُ لا أرَى مُتأخِّراً ** أولى بها منه و لا مُتقدِّما
وأما الوالدان والأهل فالله يشكر صنيعهم, ويتولى جزاءهم بالحسنى.
حامداً ربي على جزيل عطائه, راضياً بقضائه, مثنياً عليه بنعمه.


وكتب/
د. محمد بن فهد بن عبدالعزيز الفريح
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء



السبت، 24 فبراير 2018

إلى الأمير خالد الفيصل أنتم أهل العوجا


إلى الأمير خالد الفيصل أنتم أهل العوجا


رحم الله سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ورحم الله شيخنا سعد الحصين إذ كتب الثاني إلى الأول يخبره أن الملك حسين منع إقامة تمثال ويطلب منه شكره على هذا الموقف, فكتب سماحته ما نصه: (من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة جلالة الملك الكريم حسين بن طلال ملك المملكة الأردنية الهاشمية - عمان - وفقه الله لما فيه رضاه ونصر به دينه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فلقد أبلغني صاحب الفضيلة الشيخ سعد بن عبد الرحمن الحصين الملحق الديني بسفارة المملكة العربية السعودية في عمان في كتابه المؤرخ في 5 \ 1 \ 1417 هـ أن جلالتكم قد منع إقامة تمثال لكم في عمان، فسرني ذلك كثيرا، وشكرت لجلالتكم هذا العمل، ورأيت الكتابة إلى جلالتكم في ذلك شاكرا وراجيا من جلالتكم إصدار الأمر الكريم بتحكيم الشريعة المطهرة في المملكة الأردنية الهاشمية في جميع الشئون، كما حكم بها جدكم أفضل الخلق محمد -r- وحكم بها خلفاؤه الراشدون وأئمة الهدى بعدهم؛ عملا بقول الله سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}   وقوله -عز وجل-: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} وقوله -عز وجل

 -: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ولا يخفى على مثل جلالتكم أن في تحكيم الشريعة المطهرة صلاح أمر الدنيا والآخرة والفوز بالسعادة الأبدية.

فأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يشرح صدركم لذلك ويعينكم عليه، وأن يصلح لكم البطانة، وأن يعيذنا من مضلات الفتن وبطانة السوء ونزغات الشيطان أنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء).
 تذكرت هذا الخطاب حين علمت بالتوجيه الكريم من أمير منطقة مكة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل سلمه الله في قطع وسائل الشرك، وأسباب الانحراف، وسد باب البدع والخرافات، حول شجرةٍ يتبرك بها الجهال وبعض أهل الضلال، ويعتقدون حولها ما يعتقدون، وقد كانت النصائح لأولئك الذين قصدوا المكان للتبرك ونحوه تتلى، والآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر يوجهونهم، ومع ذلك كانوا على فعلهم دائمين، والله سبحانه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فقام أمير منطقة مكة قومة عظيمة، وفعل عزمة مشهودة، فسوى المكان المقصود، وعظَّم جناب التوحيد، وعطل أفعال الشرك والجهل، وإني والله أرجو بركة هذا الفعل على البلد كلها، وهذا هو الواجب مع كل وسائل الشرك، وأسبابه، فهذه البلاد المباركة المملكة العربية السعودية بلاد توحيد وسنة منذ قيامها من ثلاثة قرون وحكامها مستمرون على نصرة التوحيد ومحاربة الشرك، هذا قدرها، وهو واجبها، كما أنه سبب عزها، ومصدر قوتها، فعلى الجميع المحافظة على تعظيم جناب التوحيد، وقطع أسباب الشرك، وتبليغ أمراء المناطق عن أي يفعل يخل بالتوحيد، ويهمز قناته، فالظن بجميع أمراء المناطق أنهم سباقون إلى إنكار هذه المنكرات إذا وجدت، ولا شك أن خادم الحرمين الشريفين متع الله المسلمين بوجوده، وأعز به دينه، إمام حازم، وسيف قاطع، من أعرف الناس بدعوة التوحيد وما قامته عليه المملكة العربية السعودية من منهج سلفي بلا إفراط ولا تفريط، وكل ما يعكر صفو الدعوة فهو قادر بإذن ربه أن يجلوه حتى يعود كدرها صفوا، فهم أهل العوجا، لما وصف بعض أعداء دعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - بأنها دعوة عوجا قال آل سعود أنصار دعوة التوحيد رحم الله حيهم وميتهم: نحن أهل العوجا.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين، وحماه، وولي عهده وجعلهما مباركين، وموفقين لكل خير، ومنصورين بالحق، وشكر الله للأمير خالد الفيصل فعله، وشد الله من أزره، وأثابه وجميع من نصر التوحيد وحققه.
وكتبه/
د. محمد بن فهد بن عبدالعزيز الفريح
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء

الأربعاء، 26 يوليو 2017

دامت الصداقة وعاش الصديق!

دامت الصداقة وعاش الصديق!

عنوان هذا المقال جملة جميلة في رسالة وصلتْ إلي من أحد أصحاب المعالي النبلاء حين قرأ مقالاً كتبته عن (مواقف لطيفة وقعت لأصحابي) ولا أحصي عدد من اتصل أو أرسل بعد نشر ذلك المقال، وقد طلب كثير منهم أن أكتب مرة أخرى حول هذا الموضوع! وممن أظهر رغبته، ووجه إليَّ أمره: شيخ كبير جاوز عمره الثمانين! فهل ما زال محتفظاً بأصدقائه إلى هذا السن؟!

قد عرفتُ رجلاً بلغ عمره التسعين، زار صاحبه في المستشفى فلما رآه بكى وبكى صاحبه ولم يستطيعا الكلام في الدقائق الأولى من البكاء، ولا لوم إذ صحبتهما قد زادت عن سبعين سنة!!
وَجَدت نفسك من نفسي بمنزلةٍ *** هي المُصافاةُ بين الماءِ والرَّاحِ

وشكيب أرسلان كتب عن إخاء أربعين سنة مع رشيد رضا، وكتب أيضاً عن أحمد شوقي في صداقة أربعين سنة!

ولاشك أن الذكريات التي يتذكرها الصديق لهي ذكريات أعزُّ من كنز مدفون لبخيل شحيح يقلبه في هدآت الليل!
جسمي معي غير أن الروحَ عندكُم *** فالجسم في غربةٍ والروحُ في وطنِ
فليعجب الناسُ مني أن لي بدناً *** لا روح فيه ولي روحٌ بلا بدنِ
وربما هاج الضمير، وأقبلت الروح تزُفّ تريد صديقها، ولعل النفس تبوح بما فيها، بل ربما بكتْ اشتياقاً لأصحابها..
الجسمُ في بلد والرّوحُ في بلدِ *** يا وَحْشةَ الرُّوح بل يا غُرْبة الجَسَدِ

 فكم كان لفراق صديق وقع لم يكن لأحد من بقية الناس! ولربما فاقت منزلته في قلوب كثيرين منزلة الأخوة الطينية!
أعرفتَ في ساعات عمرك موقفاً *** بعث الشجون كساعة التوديع؟

وشاعر الحكمة زهير يقول:
ثلاثٌ يعِزُّ الصبرُ عند حُلُولها *** ويَذْهلُ عنها عقلُ كلِّ لبيبِ
خُروجُ اضطرارٍ من بلادٍ تحبُّها *** وفُرْقَةُ خِلَّانٍ وفَقْدُ حبيبِ

وما كنت أعلم أن الصديق ربما تختلط روحه مع روح صديقه حتى كأنهما روح واحدة افترقا في جسدين!

ولا أنسى أن شاباً اتصل ولم أردّ على اتصاله! وأرسل رسالة كتب فيها: هل تتلطف بشيء من وقتك فإني مكروب!!
فأجبته بأن يتفضل متى شاء .. فحدثني والحزن قد عمَّ أرجاء قلبه عن صديقين له، هم شركاء في شركة، وقال بلفظه: نحن أكثر من إخوة، وقد جعلنا قاعدة في شركتنا، أنه إذا اتفق اثنان رضخ الثالث للرأي، قال بحرف حزين: لقد اتفقا على أمر أراه حراماً وهما يزعمان حله بفتوى بعض المتطفلين على العلم! وألزموني بالقاعدة الماضية! أريد حلاً فلا استطيع فراقهم، ولا ترك الشركة!
يا عاذلي ذرني وقلبي والهوى *** أأعَرتني قلباً لحملِ شُجوني
لم يرحموني حين حان فِراقُهم *** ما ضرَّهُمْ لَوْ أنهم رَحِموني

آهٍ من صداقة تورث ألماً، وهل يجد الصديق صديقاً كما وصفه أبو تمام:
من لي بإِنسانٍ إِذا أغضْبتُهُ *** وَجهِلْتُ كان الحلمُ ردَّ جوابهِ
وإِذا صبوتُ إِلى المدامِ شربْتُ من *** أخلاقِه وسَكِرْتُ من آدابهِ
وتراه يُصغي للحديثِ بسمعهِ *** وبقلبهِ ولعله أَدْرى بهِ

وأعز الأصدقاء وجوداً هو ما ذكره الأول بقوله:
إن أخا الصدق الذي يسعى معك *** ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا صرف زمان صدعك *** شتت شمل نفسه ليجمعك

وكتب رجل إلى خليله: لو علمتُ أن يومي أهنأ من يومك لاخترت أن أوثرك به!
وما أحلى ما كتبه محمود شاكر عن الرافعي مجسداً معنى الوفاء بعبارات فخمة رفيعة بعد موته في مجلة الرسالة.
وأحلى من الكتابة عن الصديق: مَنْ يسلي صاحبه، ويواسي رفيقه، ويتوجع لصديقه حال حياته قبل فقده.
إن جئت مكسوراً فضمك واجب *** أنا في هواك أخالف الإعرابا

وأي سرور ستدخله على صديقك حين تبوح له بمكانته في نفسك!
حدِّث حبيبك عن هواك فإنه *** لا خير في شغف المحب الصامت

وأحذر أن تكون سبباً في إماتة الصداقة، وقَبْضِ روحها ولا تقول لصديقك:
مات الهوى فتعال نقسم إرثه *** بيني وبينك والدموع شهود
خذ أنت مني ذكرياتك كلها *** وأنا سأحمل خيبتي وأعود

بل قل لأصدقائك كما قال بشار بن برد:
أَبكي الذينَ أذَاقُوني مَوَدَّتَهم * ** حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا 
واستنهضوني فلما قُمْتُ منتصباً *** بثقْل ما حَمَّلوني وُدَّهم قَعدُوا
  لأخرجن من الدنيا وحبهمُ *** بين الجَوانح لم يشعر به أحد
ألْقَيْتُ بيني وبين الحُزن معرفةً *** لا تنقضي أبداً أو ينقضي الأبد

وما يشوه وجه الصداقة كمثل قبول كلام الواشين قبحهم الله وأبعد نُزُلهم.
ومن يطع الواشين لا يتركوا له *** صديقاً وإن كان الحبيب المقرَّبا

وما أجمل ذلك الصديق حين قال له أحد الواشين: إن صاحبك يذكرك بسوء!! فأجابه: عرضي عرضه، وكلامه فيَّ، خير من نصحك لي، وفارقني يا بريد الشيطان خيراً لك.
فَدَتْكَ نُفُوسُ الحاسِدينَ فإنّها *** مُعَذَّبَةٌ في حَضْرَةٍ ومَغِيبِ
وَفي تَعَبٍ مَن يحسُدُ الشمسَ نورَها *** وَيَجْهَدُ أنْ يأتي لهَا بضَرِيبِ

والصديق الصادق من يقبل على صديقه مهما كان منه خلا معاصي الله، فوجه الصداقة جميل مليح لا تعلوه قترة ولو كثر العاذلون!
أسَاءَ فَزَادَتْهُ الإسَاءَةُ حُظْوَةً  *** حَبِيبٌ عَلى مَا كَانَ مِنهُ ، حَبِيبُ
يعدُّ عليَّ العاذلونَ ذنوبهُ *** وَمِنْ أينَ للوَجْهِ المَلِيحِ ذُنُوبُ
فيا أيها الجافي ، ونسألهُ الرضا *** وَيَا أَيّهَا الجَاني ، وَنَحْنُ نَتُوبُ !
لَحَى اللهُ مَن يَرْعَاكَ في القُرْبِ وَحده *** وَمَنْ لا يَحُوطُ الغَيبَ حِينَ تَغيبُ

وربما صدق القائل:
تحمَّلْ عظيمَ الذنبِ ممن تحُّبهُ *** وإِن كنتَ مظلوماً فقلْ أنا ظالمُ
فإِنكَ إِن لم تحملِ الذنبَ في الهوى *** يفارْقكَ من تهوى وأنفُكَ راغمُ

وكم قام الحساد وقعدوا ليفرقوا بين صديقين عاقلين فرجعوا بخفي حنين..

فرحم الله صديقاً رعى حمى صديقه، ولم يقبل قولاً ضالاً فيه، وأظهر محبته له..

 كتب رجل إلى صديق له: أما بعد: فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أولهم، وإن كانوا قليلاً فأنت أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هو!

قال الإمام أحمد - رحمه الله -: (إذا مات أصدقاء الرجل ذل).

وكم من رجل محتاج إلى صديق؟!

حتى قال أبو العتاهية:
وإني لمحتاج إلى ظل صاحبٍ *** يروق ويصفو إن كدرت عليه

ولما أنشد هذا البيت أمام المأمون قال لمن أنشده: (خذ الخلافة وأعطني هذه الصاحب!!)

والصداقة لا تنسخ بموت الصديق بل هي مستمرة  بعد موته إذا كانت صداقة صافية وذلك بالبر به، والدعاء له، وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: (قليل للصديق الوقوف على قبره).

وأعرف رجلاً فاضلاً مات صاحب له منذ سنين وهو ما زال إلى وقتنا يدعو له ويتصدق عنه.
بل وأعرف مجموعة أصدقاء لم تطب نفوسهم إلا بالاشتراك في إقامة وقف، وجعلوا ثوابه لصديقهم الذي حل الموت بساحته!

كتب أحدهم إلى صاحب له: (ما أحوجك إلى أخ كريم الأخوة، كامل المروءة، وإذا غبت خلفك، وإذا حضرت كنفك، وإذا نكرْت عرفك، وإذا جفوت لاطفك، وإذا بررت كافأك، وإذا لقي صديقك استزاده لك، وإن لقي عدوك كف عنك غرب العادية، وإذا رأيته ابتهجت، وإذا باثثته استرحت).

ومن أراد أن يَثْبتَ له الصديق فليكن له عليه فضل! وليحتمل له، قال الأحنف - رحمه الله -: (من حق الصديق أن يحتمل له ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة).

والصديق له المنزلة العظيمة، وهو من خير مكاسب الحياة، وقد تحسر عليه أولئك حتى قالوا: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم}.

وبعض الأصدقاء حلو الصداقة يقدِّمك على نفسه، ويؤثرك على حقوقه، متغافل عن إساءتك، معظِّم لإحسانك، سن ضاحك، بودِّه لو حمل الهم عنك، وحلَّ فيه الألم ولا نزل بك! 

فكيف يُفَرَّطُ في مثله!

وقد مات بعض أصدقائي فما زالتْ ذكرياتهم تمر على الروح كألطف هواء بارد عليل مع اشتياق عارم إليهم جمعني الله بهم في الفردوس .. وربما تذكرتُ قول القائل:
إلى الله أَشكُو لَوْعَةً عِنْدَ ذِكرِهِمْ ** سقتني بكأسِ الثكلِ والفظعاتِ
فياربَّ زدني منْ يقيني بصيرةَ ** وزِدْ حُبَّهم يا ربِّ ! في حَسَناتي

وقد حدثني الشيخ الزاهد - الصديق- سعد الحصين - رحمه الله رحمة تدخله جنة الفردوس بلا حساب ولا عذاب - أن أخاه الشيخ إبراهيم الحصين - رحمه الله - الذي كان يعمل مع شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز - رحمهما الله - أخذ إجازة لمدة عشرة أيام وذهب ليقضيها في المدينة النبوية فاتصل عليه الشيخ ابن باز قائلاً: (وينك يا شيخ إبراهيم متى تأتي؟ فقال: الله يغفر لك يا والدي لم يمض من الإجازة إلا خمسة أيام وبقي خمسة، فقال ابن باز - رحمه الله -: والله كأنها خمس سنين!!)
يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه *** هل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامعة *** ولا وفى لك قلبي وهو يحترق

رحمك الله أبا محمد!

وَقَفَ الْهَوَى بِي حَيْثُ أَنْت *** فَلَيْسَ لِي مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلاَ مُتَقَدَّمُ

ألا فلتدم الصداقة وليعش الصديق

كتبه/
د.  محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء







الاثنين، 26 يونيو 2017

أتت بهم الذاكرة في يوم عيد (2)



أتت بهم الذاكرة في يوم عيد (2)

مرَّ عام كامل على المقالة الأولى "أتت بهم الذاكرة في يوم عيد" وقد كنتُ كتبتُ في نهايتها:( بقي رجال تستمطر الذاكرة مواقفهم لعل الله يمنّ بفسحة من الوقت؛ لأقيدها في عيد آخر بإذن الله), وهاهو العيد قد أتى فأسأل الله أن يقبل منا جميعاً صالح أعمالنا ويتجاوز عن التفريط.

وقد جملتْ تلك المقالة بأن كانت أولى الذكريات مع شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله, ولا أنس موقفاً عجيباً كنتُ له من الشاهدين إذ كانت لسماحته رحمه الله محاضرة في جامع الملك خالد بالرياض فذهبتُ باكراً إليها لأكون قريباً من الشيخ, وفعلاً كنت من أقرب الناس إلى مكان إلقائه للمحاضرة, ودخل الشيخ المسجد من الجهة الغربية الشمالية وحوله من حوله من الناس, فلما وضع قدمه في المكان الذي خلف الإمام أحسَّ بوجود سجادة على سجاد الجامع, فقال: ما هذا؟! فقالوا: سجادة, فقال: سبحان الله المسجد ما فيه سجاد, ثم أمر برفعها؛ لئلا يتميز أحد عن أحد في المسجد فرُفعتْ, ثم بدأت المحاضرة بعد صلاة المغرب ثم تكاثرت الأسئلة على المقدِّم للمحاضرة وكان مما قرأه سؤال عن السحر وما يتعلق به, فتكلم الشيخ بما فتح الله عليه من التحذير منه ثم كيفية علاجه بالقرآن وبدأ بقراءة بعض الآيات التي تتعلق بالسحر تعليماً للناس, فما راعنا إلا صارخ من آخر المسجد: (خلاص يا شيخ أبطلع أبطلع خلاص...) والشيخ مستمر على أمره لم تتحرك منه شعرة فيما أرى, والناس قاموا وماجوا وتلفتوا, وعيني على الشيخ أنظر ما يفعل فلم يزل كما هو, ثم قال للمقدم نعم- أي أعطنا السؤال الذي يليه-, انتهت المحاضرة ... ثم سألتُ عن خبر  الصارخ؟ فأخبرني أحد الإخوة أن رجلا ً من دولة أفريقية كان به مسٌّ فيما يبدو, فلما جاءت آيات السحر نطق الذي فيه بالكلام الماضي, وأن بعض الإخوة أخرجوه من المسجد فما هي إلا مدة يسيرة حتى قال: ما الذي جرى لي؟ لم يكن مدركاً للموقف, فأُخبر الخبر, واللطيف في الموقف أن هذا الأخ دخل المسجد ليصلي العشاء بعد انتهاء المحاضرة, وكان الذي بجواره في الصف قد رأى حاله قبل ذلك فكان يرقب صلاته بعين وهذا الرجل بعين تحسباً لأي موقف, فلما كانوا في التشهد الأخير عطس الرجل الأفريقي فاضطرب الرجل الذي بجواره حتى كاد أن يقطع صلاته.
ولا شك أن المسَّ وهو تلبس الجني بالإنسي محل إجماع عند أهل السنة قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:(دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة) .

أتذكر أني كنت واقفاً عند باب الجامع الكبير بعنيزة إذ خرج منه الشيخ العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله بعد صلاة العصر, ووافاه عند عتبات الجامع صبي فأعطاه الشيخ ريالاً قد مرتْ الأيدي عليه كثيراً, فقال الصبي: أريد ريالاً جديداً, فما كان من الشيخ إلا أن بحث فيما بين يديه من مال فوجد ريالاً جديداً, فأعطاه إياه وقال له: هذا ريال جديد على طلبك!

بل مرة رأيت الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في المسجد الحرام يمشي فمشيت بجواره استمع لأسئلة الناس فإذا رجل عظيم البنية وقف أمام الشيخ  وقرَّب شفته إلى فيِّ الشيخ يريد أن يقبله والشيخ يرجع رأسه إلى الخلف ابتعاداً من فعل هذا الرجل ولم يدفعه ولم يعنفه حتى أدرك الرجل نفور الشيخ من فعله فكفَّ, وأتى أحدهم وكان معه طيباً فطيَّب يد الشيخ ولم يلق الشيخ بالاً لذلك لكثرة الناس حوله فقال ذلك الرجل: يا عمِّ الشيخ هذا يجوز؟ أي استعمال هذا النوع من الطيب,  فقال: الشيخ أين صاحب الطيب؟ أعطني إياه, فدفعه إليه فقام الشيخ وطيب لحيته ثم قال للرجل وهو يبتسم: وش رأيك الآن يجوز؟! فضحك الرجل من لطف الشيخ وحسن تعليمه.

وأذكر مرة دخل شاب على شيخنا العلامة عبدالله الغديان رحمه الله في مكتبه بدار الإفتاء فسأله الشيخ عن اسمه فقال فلان بن فلان فقال الشيخ وقد بدأ عليه التغير, ما اسم جدك؟ فقال: فلان, فقام الشيخ من مكتبه وذهب إلى مكان الشاب وضمه وبكى وصار يردد: أبوك صاحب لي وصديق خاص الله يرحمه , وكان الشاب قد توفي والده قديماً ولا يعلم عن هذه العلاقة الحميمية بين والده وبين الشيخ عبدالله رحمهما الله.

لما كنتُ في المرحلة الثانوية لبس أحد أصحابي الدبلة!! فتعجبتُ منه, وقلت له: إن كبار مشايخنا يمنعون منها فقال: لا, اسأل لي أنت أحد المشايخ! فاتصلتُ بالشيخ صالح بن غصون رحمه الله, وكنت أسمع عن ذكره الحسن إذ كان من خيرة القضاة الذين تولوا القضاء في سدير, فرد الشيخ على سلامي بتحية مثلها ثم سألته عن لبس الدبلة, فأخبرني أنها لا تجوز ... فأخبرت صاحبنا بكلام الشيخ.

وقد مكث الشيخ صالح بن غصون رحمه الله في قضاء سدير أربع سنين, وقد قال في لقاء معه في إذاعة القرآن لما جاء ذكر تعيينه في حوطة سدير للقضاء قال: (وأهل سدير جزاهم الله خيراً كانوا عوناً لي على الخير) رحم الله الشيخ صالح بن غصون, وقد نسيتُ هل أخذ صاحبي بكلام الشيخ أم لا؟

وممن أتت بهم الذاكرة هذا اليوم المبارك صاحب الفضيلة الشيخ الصابر عبدالرحمن بن عثمان بن جاسر رحمه الله "شيخ الدلم" زرته في مرض موته وكان على فراشه فجلس ورحب ودعا كأن لم يكن به مرض, وسألني عن شيخنا فهد بن جاسر الزكري وطلب أن أبلغ سلامه  للشيخ, وقد فعلتُ, كان الشيخ عبدالرحمن صابراً محتسباً سألته عسى ما يؤلمكم المرض كثيراً, فكان جوابه: (ابن آدم محل للأقدار يصبر على مرِّها, ويستعين بربه عليها, والحمد لله ما رأينا من ربنا إلا خيراً), ولد الشيخ عام1354هـ وتخرج في كلية الشريعة عام 82-1383هـ تولى إدارة المعهد العلمي بالدلم أكثر من عشرين سنة, كان عضواً في التوعية الإسلامية بالحج, وخطيباً للجامع الكبير بالدلم, كان يعقد الدروس للطلاب في فنون مختلفة, اشتد به المرض, فأدخل المستشفى فكان بين ذكر ودعاء وحمد لله, يغمى عليه من شدة المرض, وربما ردد وهو في شدة المرض(وما بكم من نعمة فمن الله) توفي يوم الاثنين 8/8/1423هـ رحمه الله رحمة واسعة.

وكان الشيخ عبدالرحمن يقول الشعر, ومن شعره قوله:

حبُّ العذارى في الرجال سجيةٌ *** وسجيتي في الحب حب بلادي
وطنيَّتي طبع نشأتُ بحبِّها *** كرم الأصول وموطن الأجداد
لا تعجبوا مما أقول فإنني *** أهب البلاد محبتي وودادي...

وقال رحمه الله:

أقمتُ بأمريكا من الوقت برهة *** على هامش الآلام والهم والفكر
أكابد آلامي وأجمع ما أرى *** فأُدهش أحياناً وأعجب من أمري
أقارن أوضاعاً تدور بعالم *** بما كان محسوباً على أمة الخير
رأيت من الأخلاق والصدق والوفا *** وما كان مفروضاً على أمة الطهر
تمنيت أن الدين كان قوامها *** وأن عفاف النفس من واقع السَّير...

في أول لقاء لي مع الشيخ العلامة صالح الأطرم رحمه الله سألني عن اسمي فقلت: محمد الفريح, فقال : نَعَم! كلفظ المُنْكِر!! وهو يقيناً قد سمع قولي! ففطنتُ لأمر, فأعدتُه عليه مرة ثانية قائلاً: محمد بن فهد الفريح, فقال: ونِعم إيه, مالك أب! من البر بالوالد أن تذكره إذا ذكرت اسمك, فشكرتُ للشيخ رحمه الله هذه الفائدة, وكسبتُ دعاءه لي جمعنا الله به في دار كرامته.

لا زلت أذكر شيخاً وقوراً قد خَضَبَ لحيته بالحناء يعظ الناس ويحدثهم بعد الصلوات وأحياناً بعد الجمع وهو الشيخ سليمان بن إبراهيم البريه رحمه الله وأخباره كثيرة, ومن لطيفها أنه دخل الدراسة الليلية التي بجوار منزله وفي بداية السنة سلمتْ إليه إدارةُ المدرسة الكتبَ ولما جاء في الغد لم يُحْضِر معه إلا كتاباً واحداً هو القرآن, فلما قال له المدرس: يا أبا عبدالعزيز أين بقية الكتب التي تسلَّمتها البارحة لتتابع معنا فيها, فقال: لم أدخل إلا لأتعلم معكم القرآن, مع أنه كان يعرف قراءة القرآن, ولكنه أراد الاستزادة من تعلم القرآن رحمه الله.

ومما يذكر هنا من خبره أنه هو وجماعة من أهل العطار بسدير يجتمعون في ديوانية عبدالعزيز بن سليمان البريه قبل أربعين سنة ليستمعوا برنامج نور على الدرب وفتاوى العلماء فيه من المذياع يوضع في وسط المجلس, فينصتون له كأن على رؤوسهم الطير, وهذه عادة لهم بعد صلاة المغرب في كل يوم.

في إحدى زياراتي لمنطقة جازان قبل سنوات ذهبتُ لزيارة عالم من علمائها, وشيخاً محدِّثاً من شيوخها, هو فضيلة الشيخ أحمد النجمي رحمه الله أدخلنا منزله, وأضفى علينا مع كرم يده كرماً من ألفاظه, ولطفاً في محياه, وقال للحاضرين: وقد قدَّم القهوة لن أقول لكم "اقدعوا" كما عندكم في نجد! فإن "اقدعوا" عندنا اخرجوا, انصرفوا! ونحن لا نريدكم تنصرفون!

 رأيتُ مجلس الشيخ مقصوداً من الكبير والصغير وطالب العلم والعامي رأيته يفتي الناس في مجلسه وأحياناً يأتي السائل بسؤال مكتوب فيملي الجواب وأحد طلبته يكتبه, ثم يدفعه للسائل, وقد حدثني الشيخ ناصر قحل حفظه الله وقد بلغ الثمانين من عمره أن الشيخ عبدالله القرعاوي  رحمه الله قال عن الشيخ أحمد النجمي: (الشيخ أحمد يتفجر علماً في الحديث), ولد الشيخ أحمد عام 1346هـ, اشتغل بالتدريس, والتأليف, والفتوى, والنصح والإرشاد , طبعت دار الإفتاء بعض كتبه, مرة زرته حين أجرى عملية لعينه فإذا بالشيخ عبدالله بن عقيل رحمه الله يأتي للسلام على الشيخ, توفي الشيخ أحمد بعد معاناة ودخوله في غيبوبة لمدة أشهر في شهر رجب عام 1429هـ رحمه الله, وغفر له.

أختم هذه الذكريات بذكرى عن مدير مدرستي الابتدائية بالعطار الشيخ الكريم إبراهيم بن عثمان القديري رحمه الله المشهور "بمطوع العطار" كان خطيباً لجامع العطار أكثر من خمسين سنة , لما ثقل الشيخ عثمان العمر عن إمامة جامع العطار ذهب للشيخ صالح بن غصون رحمه الله قاضي حوطة سدير يعتذر من الاستمرار في إمامة الجامع , فقال له الشيخ: من ترشِّح خلفاً عنك؟ فقال: ما خبرت أحداً إلا إبراهيم القديري , ولكنه غير حاضر؛ لكونه يعمل بالرياض, قال الشيخ ابن غصون : الأمر سهل نكتب إليه ويأتي, فجاء خطاب الشيخ يطلب من الشيخ إبراهيم القدوم إلى سدير, فقدم الشيخ إبراهيم فوجَّهه الشيخ ابن غصون أن يحل محل شيخه عثمان فتولى الإمامة والخطابة خلفاً لشيخه من عام 1369هـ حتى عام 1419هـ تقريباً , وتم تكليفه رسمياً من قِبل الشيخ صالح بن غصون رحمه الله في 29/12/1371هـ, كما كلَّفه بالقيام بمهمة تعليم الأولاد بالمسجد في 22/3/1372هـ, ثم لما افتتحت مدرسة العطار في 27/2/1373هـ عمل مدرساً فيها, ثم عُين مديراً لها واستمر في إدارتها عشرات السنين, كان كريماً, لطيفاً, حسن العشرة, بابه مفتوح, خلَّف الذكر الحسن, وكان من بِرِّ الشيخ إبراهيم بشيخه عثمان العمر رحمهما الله : أنه يضحي عنه كل سنة, وقد توفي الشيخ  إبراهيم بن عثمان القديري الشمري رحمه الله سنة 1421هـ .

وهنا وقف القلم ولعل الله أن يمن علينا جميعاً بإدراك عيد الفطر في العام القادم ونحن في صحة وسلامة وأمن وعافية وسعة رزق, فيتحرك القلم مرة ثالثة ليذكر شيئاً من ذكريات رجال قدَّموا الخير والنفع لأمتهم بإذن الله.


وكتبه / د.  محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
1 / 10 / 1438 هـ



السبت، 22 أبريل 2017

مــزحُ الــحـــمــقــى !!

مزحُ الحمقى!

لا أدري إلى أي قاع سينتهي ببعض شبابنا هداهم الله وأصلح بالهم جرَّاء فعل "مقالبٍ"! وإنتاج مشاهد, والتنافس عليها ! وتصويرها ثم نشرها !!

فتجد أحمقاً يخيف أخاه الصغير بما قد يذهب عقله, ثم تبصر أحمقاً آخر يُفْزِع صديقه بما يسمى "الدمية المسكونة" !, وترى ثالثاً يمثل دور المجرم الذي يتبع غلاماً حدثاً؛ ليختبر المجتمع في غيرتهم في دفعه عن ذلك الأحمق الصغير الذي تواطأ معه... في قائمة من الحمقى تطول ثم ينشرون أفعالهم على سمع العالم وبصره ! ويشجعهم جهلة يطلبون المزيد من الفعل الشنيع ! وأولئك يطلبون منهم إظهار الإعجاب بها !!

يا أصحاب تلك المقاطع أفيقوا ! 

فإن الأمر جِد خطير, فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: 
« من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه ».

قال النووي رحمه الله:
( فيه تأكيد حرمة المسلم والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه وقوله صلى الله عليه و سلم:" وإن كان أخاه لأبيه وأمه" مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد سواء من يتهم فيه ومن لا يتهم, وسواء كان هذا هزلاً ولعباً أم لا ؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل حال ).

وأخرج الإمام أحمد وأبو داود عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
« لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً ».

الله أكبر , نعم لا يحل لك أيها المسلم أن تروِّع أخاك, فضلاً أن تجاهر بتلك المعصية التي ارتكبتها من ترويعه, وتنشرها بين الناس.

 أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
 « لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً ومن أخذ عصا أخيه فليردها »,  

قال أبو عبيد رحمه الله في غريب الحديث:
يعني أن يأخذ شيئاً لا يريد سرقتَه ، إنَّما يريدُ إدخالَ الغيظِ عليه ، فهو لاعبٌ في مذهب السرقة ، جادٌ في إدخال الأذى والروع عليه ).

وقال صاحب فيض القدير:
( ترويع المسلم حرام شديد التحريم ).

وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله:
( لا يجوز للمسلم أن يُفْزِع أو يخيف أخاه المسلم, وإن كان مازحا كإشارته بالسلاح أو بحديدة أو أخذ متاعه لما فيه من إدخال الأذى والضرر عليه, والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ).

وقال الشوكاني رحمه الله:
لا يجوز ترويع المسلم ولو بما صورته صورة المزح ).

وقد عدَّ الهيتمي رحمه الله في كتابه الزواجر, والإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كتابه الكبائر : 
ترويعَ المسلم من كبائر الذنوب.

فإياكم يا شبابنا وهذا الأفعال المشينة, والأعمال المحرمة, وارتقوا بأفعالكم وهممكم إلى العز, ونافسوا على المجد, وأقبلوا على النافع لكم في الدين والدنيا, فالمجتمع الإسلامي بحاجة إليكم, والمسلمون يتطلعون إلى عطائكم المثمر, والأمة على مثلكم تقوم, فلا تضيعوا أوقاتكم حرسكم الله في غير المفيد, ولا يمضي شبابكم في غير أمر حميد , فما أكثر  النادم على ضياع عمره, فلا يدفعنكم البحث عن الشهرة, أو اللهث لإضحاك الناس أن ترتكبوا ما يضر بهم , أو يضركم من ذنوب تصل إلى الكبائر وأنتم لا تشعرون.

 فانتبه أيها الشاب المبارك  أن " تفت فؤادك الأيام فتّا ", فيضيع عمرك سبهللا, و" من ضيّع الحزم لم يظفر بحاجته ".

حفظ الله على شبابنا أوقاتهم, وجعلهم نصراً لأمتهم, وعزاً لأوطانهم.


كتبه
 د.محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح


25/7/1438