الخميس، 21 يناير 2016

( الإسرف )


الخُطْبَةُ الأُوْلَى (الإسراف)

 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}


أَمَّا بَعْدُ:

فَجُرْمٌ عَظِيمٌ، وَإِثْمٌ مُبِينٌ، وَصَفَ اللهُ بِهِ قَوْمَ لُوطٍ وَفِرْعَوْنَ، جَاءَت الآيَاتُ بالتَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَوَرَدَت الأَحَادِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، هُوَ كُفْرَانُ لِلنِّعَمِ، سَالِبٌ لَهَا،   خَطَرُهُ كَبِيرٌ، لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، الصِّغَارُ وَالكِبَارُ، الذُّكُورُ وَالإِنَاثُ، مُؤْذِنٌ بِالهَلَاكِ، ذَلِكُمْ يَا عِبَادَ الله هُوَ الإِسْرَافُ.

عباد  الله :إِنَّ أَعْظَمَ الإِسْرَافِ هُوَ الشِّرْكُ بِالله، وَتَضْيِيعُ حَقِّه سُبْحَانَهُ بِصَرْفِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادِةِ لِغَيْرِهِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّارِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ}[الأنبياء:9] وَقَالَ سُبْحَانَهُ:(وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) [طه:127]  وَقَالَ سُبْحَانَهُ:(وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) [غافر:43].


وَمِنْ أَعْظَمِ الإِسْرَافِ: الإِسْرَافُ فِي المَعَاصِي، وَارْتِكَابُ النَّوَاهِي، وَقَدْ حَثَّ اللهُ  المُسْرِفِينَ فِي الذُّنُوبِ عَلَى التَّوْبَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَلَّا يَقْنَطُوا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53]، وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ عَنْ قَوْمٍ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِقَوْلِهِمْ: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:147]، فَكَانَ الجَزَاءُ:( ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:148].


وَمِنَ الإِسْرَافِ يَا عِبَادَ الله: الإِسْرَافُ فِي المَأْكَلِ وَالمَشْرَبِ، وَقَدْ نَهَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف:31]، أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : «كُلُواْ، وَتَصَدَّقُواْ، وَالْبِسُواْ، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَـخْيِلَة».

فَالمُسْرِفُ فِي مَالِهِ، المُبَذَّرُ لَهُ، قَدْ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ قَدْ كَرِهَ لَنَا تَضْيِيعَ المَالِ، أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ المُغِيرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللهَ -عز وجل - كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ».

وَلَا تَجُوزُ طَاعَةُ الآمِرِ بِالإِسْرَافِ، لِأَنَّهُ يُفْسِدُ الأَرْضَ: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ) [الشعراء:151-152].


وَمِنَ الإِسْرَافِ أيها المسلمون: الإِسْرَافُ فِي تَضْيِيعِ الأَوْقَاتِ، وَإِنْفَاقِ الأَعْمَارِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ، بَلْ يَضُرُّ، قَالَ عَطَاءُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)  [الأعراف:31] (نُهُواْ عَنِ الإِسْرَافِ فِي كُلِّ شَيْءٍ).


فَإِيَّاكُمْ يَا عِبَادَ الله أَنْ تَقَعُواْ فِي الإِسْرَافِ فَإِنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى دِّينِ الرجل, وَنقصٌ في عقله, وضياعٌ لدنيا، فَلَا ترتكبوا المَعَاصِي فإنه إسراف، وَلَا تُسْرِفُواْ فِي المَآكَلِ وَالمَشارَبِ، وَلَا تُسْرِفُواْ فِي اسْتِخْدَامِ مَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ نعمة الكَهْرُبَاءِ وَالمَاءِ وَغَيْرِهَا من النعم، قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ الله تَعَالَى فَهُوَ سَرَفٌ). بَلْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: (مَا أَنْفَقْتَ فِي غَيْرِ طَاعَةِ الله فَهُوَ سَرَفٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً). قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [يونس:12]، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولكم.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمد لله على نعمه, والشكر له على مننه, والصلاة والسلام على خير عباده, وأفضل أوليائه وعلى آله وأصحابه أما بعد: 

فاتَّقُواْ اللهَ عِبَادَ الله، وَتَجَنَّبُواْ أَسْبَابَ غَضَبِهِ، وَأَلِيمَ عِقَابِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالاِقْتِصَادِ، وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ:39]، «يَعْنِي فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ»، بَلْ كَانَ رَسُولُنَا - صلى الله عليه وسلم - كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ يَدْعُو رَبَّهُ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي»، كُلُّ هَذَا تَرْبِيَةً لِأُمَّتِهِ، وَإِظْهَارًا لِلذُّلِّ لِرَبِّهِ، وَمَعْرِفَةً بِحَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: «كُلْ مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأتكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ، أَوْ مَـخْيلَةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ...

* * *

 

 

الأحد، 17 يناير 2016

( نعوذ بالله من زوال نعمته )


( نعوذ بالله من زوال نعمته )

 
 كنتُ بصحبة الشيخ الزاهد سعد الحصين رحمه الله في إحدى الدول الإسلامية فرأيتُ من الشيخ حرصاً على إغلاق الإضاءة التي لا يستفاد منها داخل الفندق,

 
فقلت له ممازحاً: هذه الإضاءة ليست تحت وزارة أخيكم ! فنحن خارج المملكة, فأجاب بعد ابتسامة لطيفة: الله يهديك الإسراف لا أرض له.

 
واحرَّ قلباه من أفعال يظهر منها:

غَمْطٌ لنِعمٍ أكرمنا الله بها, ومحبةٌ لشهرة حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها, وادِّعاءٌ مفتعل للكرم, وتصنّعٌ جاهلي لإكرام ضيف, في مظهر مُسفٍّ , وتصرُّف مخلٌّ ليس من الكرم و الجود في شيء, بل أفعال منكرة, ومفاخرات يندى لها جبين العقلاء لا يُقرُّها شرع , ولا عقل,

 
فمتى كان غسل اليد بعد الأكل بدهن العود كرماً ومنقبة!

ومتى كان وضع أكياس القهوة ونثر ما فيها أمام الضيوف محمدة!

وفي أي عقل كان استخدام المال لإمساك الدلة جوداً ومكرمة!

بل أي سفه بلغ بأولئك حتى خَرَجَ من جعل دم ابنه محلاً لغسل الأيدي في تمثيل محرم , وكذب مفضوح, إلى غيرها من الصور التي لا تقلُّ سخفاً وجهلاً .

 
ألا حزم يؤدبهم, وحازم يأخذ على أيديهم.

 
إن تلك الأفعال المشينة قد جمعت عدداً من المحرمات, من إسراف , وتبذير, وكفر للنعمة, ومفاخرة وافتخار بين الناس, والله يقول:(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين), ويقول:(إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين).

 
قال ابن كثير رحمه الله:( وقوله:{ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } قيل: معناه: ولا تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف.

 
وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: { وَلا تُسْرِفُوا }).

 
ونقل أبو هلال العسكري في فروقه اللغوية ما نصه:(ليس الإسراف متعلقاً بالمال فقط، بل بكل شيء وضع في غير موضعه اللائق به.

ألا ترى أن الله سبحانه وصف قوم لوط بالإسراف لوضعهم البذر في غير المحرث، فقال: " إنكم لتاتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون " .

ووصف فرعون بالإسراف بقوله: " إنه كان عاليا من المسرفين ").

فإن الإسراف والذنوب مؤذن بزوال النعم, ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان من دعائه «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك » رواه مسلم.

فالحذر الحذر من الإسراف في: المأكل, والمشرب, والملبس, والمركب, والمنزل, وكذلك الحذر من  الإسراف الحاصل في المساجد كزخرفتها وبناء القبب عليها, وكذلك الحذر من الإسراف في المياه, والكهرباء, وغيرها, وعلى المؤسسات الحكومية والأهلية الحذر من ذلك الذنب, والبعد عن ارتكابه, وعلى مؤسسات التعليم مشكورة بذل المزيد في توعية الناشئة حول الإسراف والتبذير وخطرهما على المجتمع.

فإن هذا الذنب وهو الإسراف قد انتشر عند كثير من الناس :

الكبار والصغار, والرجال والنساء , في المناسبات والحفلات, حضراً وسفراً.

قال ابن القيم رحمه الله:(من عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم, وتحل النقم, فما زالت عن العبد نعمة إلا لسبب ذنب, ولا حلت به نقمة إلا بذنب كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :(ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة), وقد قال تعالى:(وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير), وقال تعالى:( ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها علي قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم), فأخبر الله تعالى أنه لا يغيِّر نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه , فيغير طاعة الله بمعصيته, وشكره بكفره, وأسباب رضاه بأسباب سخطه فإذا غَيَّر غُيِّرَ عليه جزاء وفاقا, وما ربك بظلام للعبيد, فإن غيَّر المعصية بالطاعة غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية, والذل بالعز, قال تعالى:( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال)...[فالذنوب ومنها الإسراف والتبذير] تزيل النعم الحاضرة, وتقطع النعم الواصلة, فتزيل  الحاصل, وتمنع الواصل, فإن نِعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته, ولا استجلب مفقودها بمثل طاعته ... وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سبباً وآفة تبطله , فجعل أسباب نعمه الجالبة لها : طاعته , وآفاتها المانعة منها: معصيته, فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها , وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها, ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه  وغيره , وسماعاً لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه, وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثني من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم, وكأن هذا أمر جار على الناس لا عليه, وواصل إلى الخلق لا إليه , فأي جهل أبلغ من هذا, وأي ظلم للنفس فوق هذا).

وقال رحمه الله:(ومن تأمل ما قص الله تعالى في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم, وجد سبب ذلك جميعه: إنما هو مخالفة أمره, وعصيان رسله.

وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره, وما أزال الله عنهم من نعمه وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب كما قيل:

 إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم

فما حُفظتْ نعمة الله بشيء قط مثل طاعته, ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره, ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه, فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس).

وكلام ابن القيم هذا عظيم القدر لمن تأمله.

 فلنشكر الله على نعمه كلها باستعمالها في طاعته , والبعد عن الإسراف والنأي عنه, ولنحمده عليها, ولنجعل نصب أعيننا قوله سبحانه:(بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) فجمع بين الأمر بالتوحيد والأمر بالشكر.

فتقوى الله مطلوبة من الجميع, والبعد عما يوجب سخطه, وسَلْب نعمته واجب على الرعاة والرعية, قال الله:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } .

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله:(يخبر تعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة, ويستأصلها بالعذاب أمر مترفيها أمراً قدرياً ففسقوا فيها واشتد طغيانهم، { فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ } أي: كلمة العذاب التي لا مرد لها { فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } ).

فاللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك, وتحول عافيتك, وفجاءة نقمتك, وجميع سخطك.

 

 

وكتب

د.محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح

عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء

 

 

الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

إلى جنودنا وحُرّاس أمننا - حرسهم الله -


إلى جنودنا وحُرّاس أمننا - حرسهم الله -

 

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

 

 وأسأل الله أن يعلي درجاتكم, وأن يغفر ذنوبكم, وأن يصلح نياتكم وذرياتكم, وأن يخلفكم في أهليكم خيراً, فارقتم الأهل والولد , وسهرتم, وحرستم, ولازمتم الثغور والحدود, تراقبون بعين ساهرة, وتتابعون بقلب واع, تدفعون عن هذا البلد الكريم  من يريد إفساده, والعبث بأمنه , تظلُّكم الشمس بحرِّها , والصيف بوهجه , أو الشتاء بزمهريره , والبرد بقروسته, وأنتم قائمون بأعمالكم, طاعة لمولاكم ثم لولي أمركم, دفاعاً عن دينكم وعن المسلمين, تردون الباغي, وتكسرون العاصي, وتدفعون المعتدي.

 

عملكم لا يستطيعه أي أحد , ولا يقوم به كل أحد , خصَّ الله به من شاء, وامتن به على من يريد.

 

هنيئاً لكم يا رجال أمننا:

 

فأنتم تنصرون راية التوحيد, وتقومون بحمايته وحماية الحرمين من عبث العابثين, وتخريب المفسدين.

 

هنيئاً لمن صحت نيته وهو مرابط في عمله, يحمي عورات المسلمين, ويذود عن بلدهم, محارباً من يريد تمزيقه, وتفريق جماعته.

 

إني لأغبطكم -يا جندنا- على رباطكم في أعمالكم فقد أعد الله للمرابطين في سبيله أجراً كبيراً, وخيراً وفيراً لمن احتسب ذلك عند الله.

 

وإني أدعو كل رجال أمننا -غفر الله لهم وجزاهم خيراً- أن ينووا عملهم لله, وأنهم بعملهم يدفعون الغوائل عن خير بلاد المسلمين , وأدعوهم أن يحتسبوا جلوسهم للمراقبة وغدوتهم وروحتهم وذهابهم وإيابهم ونومهم في سبيل الله, فإذا فعلوا ذلك فليبشروا بما بشرهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم بقوله: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ) متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم:(ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار) أخرجه البخاري.

 

وقال عليه الصلاة والسلام: ( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ) رواه البخاري.

 

وقال صلى الله عليه وسلم:( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ) أخرجه مسلم.

 

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من رابط ليلة حارساً من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى).قال الهيثمي:(رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات).

 

ومن قتل من هؤلاء المرابطين من رجال أمننا فيرجى بإذن الله أن يكون مع الشهداء, وكذلك من يصاب منهم نحتسب على الله أن يعطيه أجر الشهداء, أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى اللون لون دم والريح ريح مسك).

 

الله أكبر ما أعظم أجر المحتسب من رجال الأمن, الله أكبر ما أعظم فضل الله عليه.

 

أبشروا يا رجال أمننا كل في مجاله وأملوا في الرحمن خيراً فأنتم تقومون بحماية الضروريات الخمس التي أوجب الله حمايتها وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

 

أسأل الله أن يحسن عاقبتكم وأن يحفظكم وأن يسدد رميكم وأن يكبت عدونا وعدوكم وأن يربط على قلوبكم وأن يبارك لكم في أعماركم وأعمالكم وأهليكم وذرياتكم وأموالكم وأن يجعلكم من أنصار دينه, وأن يخذل الله على أيديكم كل عدو متربص.


والسلام عليكم ورحمته وبركاته

 

 

كتبه أخوكم والداعي لكم /

 

د.محمد بن فهد بن عبدالعزيز الفريح

عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

( السحرة مجرمون فجرة )


بسم الله الرحمن الرحيم

 


الخطبة الأولى ( السحرة مجرمون فجرة )
 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... 

أما بعد:

 

 

فقوم أشرار, مجرمون فُجَّار, لا يُفلحون أبداً , فأعمالهم خُبْثٌ, وأفعالهم شر, يفسدون العقيدة, ويسعون فساداً في الأرض , يعملون الكفر, ويرتكبون الحرام, ويغشون الآثام, هم مأوى للشياطين, وبيتٌ للمفسدين, ونُزلٌ للمجرمين, أهلُ كفرٍ وفجور, وغشٍ وكذب, شرورهم بادية, وضررهم ظاهر, وخبثهم لا يطهره إلا السيف.

 

حذرنا الله منهم , وأنذرنا رسولُه صلى الله عليه وسلم من الذهاب إليهم, من سألهم مصدقاً بقولهم كفر, ومن ذهب إليهم لم تقبل له صلاةٌ أربعين يوماً.

 

إنهم السحرة عجل الله بهلاكهم, كم خدعوا من ضعيف, وكم استغلوا من امرأة, وكم أفسدوا في البلاد, وكم عاثوا في الأرض يؤذون العباد, شرهم مستطير, يتقربون إلى الشياطين بالكفر والفجور, كم دنسوا من مصحف تقرباً لأوليائهم من شياطين الجن, وكم ارتكبوا من الفحش في أقوالهم وأفعالهم ابتغاء الزلفى لدى أسيادهم المردة, فدعوهم من دون الله, وتقربوا إليهم بأنواع القرابين طلباً لتحقيق مرادهم.


لا خلاق لهم , سعيهم بوار , وجهدهم إلى خسار, لا يضرون أحداً إلا بإذن الله , لما اجتمع السحرةُ ليغلبوا في زعمهم رسولَ الله موسى عليه السلام قال لهم كما ذكره الله في كتابه:(مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ*وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).

 

أيها المسلمون:

 

 إياكم والسحرةَ الفجرة لا يذهبْ منكم دينكم, واحذروا أن تفقدوا أعزَّ ما لديكم وهو توحيد الله بالاتصال بأولئك السحرة, لا تتواصلوا معهم بأي وسيلة لا باتصال ولا بمشاهدة ولا برسالة ولا بغيرها, حذروا أهليكم ومن تحت أيديكم, فهم قبل سلبهم للمال يسلبون التوحيد ويضعفونه.

 

ومن ذهب إليهم بقدمه أو تواصل معهم فقد أوبق نفسه في الإثم وارتكب كبيرة من كبائر الذنوب جاء في الصحيحين أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ » وذكر منها: السحر.

 

 
وأخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: « مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ».
 

وأخرج الإمام أحمد في مسنده وصححه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

 

وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء أن مما يدخل في السحر وإتيان السحرة ما يسمى بعروضِ القوى :كتكسيرِ الصخور على الصدور، والنومِ على المسامير الحادة، وثني الحديد بالعين وسحبِ السيارات بالشعر أو الأسنان ، وأكلِ الأمواس والزجاج ونص الفتوى:( لا يجوز فعلُ هذه الأعمالِ ولا تعلُّمها ولا نشرها ولا التشجيعُ عليها والواجبُ محاربتهُا والتبليغُ عن فاعليتها ومعاقبتهم بما يردعهم ويكف شرهم عن الناس فألعابهم وأعمالهم تلك فيها من الدجل والشعوذةِ والتلاعبِ والاستخفافِ بعقولِ الناس وفسادِ العقيدة وأكلِ الأموال بالباطل مالا يخفى ).

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ).

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة...
 
 

الخطبة الثانية

 

عباد الله: اتقوا ربكم, واصبروا عن موجبات سخطه, وسارعوا إلى كل ما فيه رضاه, فإنكم ميتون , وإلى القبور صائرون, فرحم الله امرأً بادر إلى طاعة ربه, وتجنَّب معاصيه, فكم من نادم على ضياع وقته, وكم من مغبون على فوات عمره.

 

أيها المسلمون:

 

لما كان الساحر من شر العباد أخبر الله عنه بقوله:( وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى), ولكبير ضرره, وشدةِ خطورته ذهب جماهير العلماء على أنه يقتل, وقد ثبت هذا القول عن بعض الصحابة فقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتل كل ساحر رواه أبو داود بإسناد حسن, وذكر ابن القيم رحمه الله أن ذلك صح عن عمر وعن حفصة رضي الله عنهما, وقد نص كثير من العلماء أن الساحر لا يستتاب بل يقيم ولي أمر المسلمين عليه الحد؛ فالصحابة لم يستتبوا السحرة, وبذلك صدرت فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء وهو قول أبي حنيفة ومالك وهو المذهب عند الحنابلة؛ لأن بقاءه ضرر على المجتمع, والغالب عليه عدم الصدق في التوبة, نعوذ بالله من شر كل ذي شر.

 

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ...     

الأحد، 15 نوفمبر 2015

( ما أحلى مجالس الكبار )


(ما أحلى مجالس الكبار)
 
 
 
هكذا أظن ! فكيف إذا كان كبير السِّن كبيراً في قدره وفضله وعلمه وسمته وهديه لا أشك في بلوغ ظني اليقين.
 
 
 في ليلة حافلة, وفي صرح علمي أطلَّ علينا شمس العلم في زمانه صاحب السماحة الشيخ العلامة الفقيه المربي الوقور صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان حرسه الله ومتع به ونفع بعلومه
 
 
ليُحدِّث الأُمة الحاضرة بين يديه, والمستمعة له عبر وسائل النقل السمعية في أقطار الدنيا عن سيرته الذاتية تجارب وذكريات, وحقيقة أني دُهشتُ من العنوان وفرحتُ به كثيراً ؛ لأني أعرف أن شيخنا حفظه الله من أبعد الناس في الحديث عن نفسه, وفرحت بعنوان اللقاء؛ لأني سأسمع من شيخنا ما سيفيدني بإذن الله في مستقبل الأيام.
 
 
فكان الدرس الذي لا يُنسى !
 
 
لقد أعطى الشيخ درساً عملياً تربوياً روحياً لمن كان له قلب , في البعد والنأي عن كل نافذة من النوافذ التي قد يظهر من خلالها بعض أعماله, وأغلق الباب الذي قد يخرج منه الإشادة بجهوده ومؤلفاته.
 
 
كان اللقاء سهلاً والملقي جبلاً.
 
 
أعمال جليلة وسنوات طويلة يُسأل عنها شيخنا فيصرف الكلام عنها ويجيب بقوله غفر الله له:( ما ودي أن تطلعوا على ما عندي من قصور ومن ضعف! خلوا عليّ ستر الله )! ومرة يقول:( لا أتحدث عن دروسي ولا عن أعمالي ), وأخرى يقول:( ما أنا إلا أقلّ طالب علم ), ( ما عندي مزية على زملائي ).
 
 
هضم للنفس وكسر لارتفاعها, وبُعد عن الاستكثار,  واستصغار لما قام به من أعمال, وكأن ابن القيم رحمه الله يصف لقاء الشيخ بقوله عن العبد الصادق:
 
 
( لا يرى نفسه إلا مقصراً والموجب له لهذه الرؤية : استعظام مطلوبه, واستصغار نفسه, ومعرفته بعيوبها, وقلة زاده في عينه, فمن عرف الله وعرف نفسه : لم ير نفسه إلا بعين النقصان ).
 
 
لو لم يكن من اللقاء إلا هذا الدرس لكان من أهم الدروس وأعظمها, فإن طلاب العلم وطالبيه بحاجة ماسة لمثل هذه الدروس العملية, كما أنهم بحاجة إلى القدوة التي يقتدون بها, وبحاجة لشيخ يقتبسون من هديه, والحمد لله أن منَّ الله علينا بإدراك بعض  هؤلاء العظماء الذي أوشكت شمسهم على المغيب؛ لأنني أخشى -ولست متشائماً- أن جيل علمائنا الكبار إذا انقضى نحتاج زمناً طويلاً ليخرج لنا من يقاربهم في الصيانة والورع والزهد والعقل والعفاف والمنهج والسمت والدَّل والعبادة والرزانة والبعد عن فتن الدنيا وزخرفها مع صلاح ظاهر, ونصح صادق.
 
 
كان في اللقاء فوائد عزيزة, وأوابد كثيرة اقتنصتُ بعضها وهذا مسردها:
 
 
1. الشيخ حمود التلال رحمه الله هو شيخ شيخنا الأول حيث قرأ عليه القرآن.
2. أنهى الشيخ دراسة المرحلة الابتدائية عام 1371هـ , والمعهد العلمي عام 1377هـ, وكلية الشريعة عام 1381هـ.
3. كانت مكافأة طلاب المعهد العلمي حين كان الشيخ طالباً فيه 170 ريالاً, قال الشيخ غفر الله له:( كانت تكفي الطالب وأسرته... وفيها خير والحمد لله, وجزى الله حكومتنا أحسن الجزاء ).
4. كان الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله يهدي إلى شيخنا بعض كتبه ومؤلفاته حين كان يزوره في عنيزة.
5. كان الشيخ إبان دراسته مقبلاً على دروسه في مراحل التعليم في المعهد والكلية.
6. أعفي الشيخ حفظه الله من الدراسة التمهيدية في مرحلة الماجستير؛ لقيامه بالتدريس.
7. كان المشرف على رسالتي الشيخ الماجستير والدكتوراه الشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمه الله.
8. أول رسالة نوقشت في كلية الشريعة هي الرسالة التي تقدم بها الشيخ في الماجستير والدكتوراه.
9. كان الشيخ عبدالله بن صالح الخليفي رحمه الله فقيهاً متضلعاً يحفظ الوقائع التي وقعت له بتواريخها, وقد قال الشيخ متأسفاً عليه بعد دراسته عليه مدة:( حُرمنا منه في آخر سنة أثناء الدراسة بالكلية؛ لأنه أُخذ لقضاء حائل ).
10. درَّس الشيخ حفظه الله مادة النحو في كلية الشريعة وهو بعْدُ لم يتخرج من الكلية.
11. كان الشيخ حرسه الله عميداً للمعهد العالي للقضاء وكان يلقي المحاضرات على الطلاب مع إدارته للمعهد.
12. كان الشيخ رفع الله قدره هو المقترح أن تكون الدراسة في المعهد العالي للقضاء سنتين مع تقديم بحث تكميلي.
13. أهم كتب التراجِم والسير عند شيخنا: (تراجِم علماء نجد؛ لقربهم ولارتباطنا بسيرهم).
14. سئل عن أحب كتبه إليه وأعزها عليه, فأجاب: ( تبيني أمدح كتبي! أنا عندي أن كلها ضعيفة! ) .



 
الله أكبر! إني أعلم دور نشر ربحتْ بعد خسارتها بطباعة كتاب واحد من كتب شيخنا كما حدثني صاحبها, وأعلم كُتباً لشيخنا طُبع منها مئات الآلاف من النسخ, وانتشرت في الدنيا, ثم يقول مؤلفها رفع الله قدره :كلها ضعيفة! مع أن الناس يتسابقون إليها, فشيخنا كان الله له لم يسوِّق لكتبه في مقام لو ذكر أحب كتبه إليه لتلقاه الناس بالقبول, فالمقام يستدعيه, ومع ذلك لم يجب بما كان متوقعاً بل أجاب بما هو تأديب للنفس بليغ.
 
 
 
 حقيقة إن في هذا اللقاء تواضع يذكرك بمقولة ابن المعتز رحمه الله: (أشد العلماء تواضعاً أكثرهم علماً , كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء) وبقول عبدالملك بن مروان رحمه الله:(أفضل الناس من تواضع عن رفعة).
 
 
دِنْ بالتواضُعِ والإِخْباتِ محتسباً ... تفقْ علاءً على أهلِ السياداتِ
فالتربُ لما غدا للرجلِ متطئاً ... تمسحَ الناسُ منه في العباداتِ
 
 
15. كان شيخنا حماه الله يتدارس القرآن بعد صلاة الفجر مع الشيخ صالح الأطرم رحمه الله, وقال عنه:( من خيار صحابي الذين أجلس معهم وأستفيد منهم ).


 
16. ذكر الشيخ أن التواصل مع ولاة الأمر فيما يهم المسلمين أمر واجب, وكان مما قاله :( ما نظهر هذا ولا نقول: تواصلنا وقلنا..هذه أسرار ).



17. العلامة الفقيه الشيخ عبدالله أبابطين جد للشيخ من جهة والدته رحمهما الله قال الشيخ حفظه الله معلقاً على هذا:
 
( وإن كان هو جدي فأين الثرى من الثريا  ، ما ينفعني إذا كان جدي الشيخ أبابطين ، ما ينفعني إذا لم أسر على المنهج الصحيح.. ).


 
 
إلى غير ذلك من الفوائد المتناثرة في ذلك اللقاء الثري التربوي المفيد ولو لم يكن فيه من الدرر والفوائد إلا الدرس العملي الذي من أجله كتبتُ هذا المقال لكفى, وبعد هذا يحق لي أن أقول: ما أحلى مجالس الكبار! فجزى الله شيخنا خير الجزاء, ورفع قدره, وأحسن ختامه, وحفظه وحرسه بعينه, اللهم آمين.
 
 
 
 
 
كتبه/
د.  محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء