الخميس، 7 يوليو 2016

أتت بهم الذاكرة في يوم عيد ... !

أتت بهم الذاكرة في يوم عيد ... !

جالت بي الذاكرة بعد عصر يوم عيد الفطر لهذا العام (1437هـ) فتذكرتُ كباراً, واستذكرت رجالاً وجبالاً في مجالهم وعلمهم, مرّت عليَّ ساعة تذكُرهم لحظات جميلة كأني في منام لطيف, وقد أحببتُ أن أكتب ما علق بذاكرتي من تلك الذكريات, معتذراً عن عفو الخاطر فيها, وأرجو مسامحة القراء عما يكون في هذه السائحة التذكّرية ! فقد تكون ذكريات  لا تستحق التسجيل! ومع ذلك سأكتبها وأقيدها ؛ فاليوم يوم عيد, وفيه فسحة ليست في غيره, ثم لو لم يأت من هذه الذكريات إلا الترحم على أولئك الرجال لكفى.
 والذكرى التي سنحتْ, وحرصتُ على تقييدها مع بعض أولئك الكبار ستكون سرداً وصفياً في غالبه, وسأكتفي بموقف أو موقفين وقد أشير إلى شيء حدثني به, وقد يكون الأمر مجرد تذكر لأول لقاء معه, بل لربما يكون هو اللقاء الوحيد, ولن أذكر هنا إلا من فارقنا من دار النصب والتعب ممن لم أكتب عنه من قبل .
فأول أولئك الكبار الذين أذكرهم متشرفاً بهم: هو سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله وقد حضرتُ دروسه مدة وحصل لي معه بعض الذكريات, وقد سألته رحمه الله عدة أسئلة قيدت إجاباتها مع بقية أجوبة مشايخ آخرين ولعل الله يعينني للنظر فيها وترتيبها.
مرَّ بي موقف مع سماحة الشيخ عبد العزيز رحمه الله هو لطيف من جهة تذكره, صعب عندما وقع وحصل!
ذهبتُ مع أحد الفضلاء من جيراننا في حوطة سدير وكنا متجهين من مكة إلى الطائف قاصدين الشيخ عبدالعزيز رحمه الله وكان ذلك في عام 1419هـ , ذهبنا إلى المسجد الذي يصلي فيه سماحته وقد بكَّرنا لصلاة الفجر لنكون بجوار الشيخ, دخلنا المسجد وقد انتهى المؤذن من الأذان فما هي إلا مدة يسيرة حتى دخل سماحته رحمه الله , ومشى حتى حلَّ خلف الإمام , جلس صاحبي بجواره فلما سلَّم الشيخ من تحية المسجد مدَّ يده ليصافح عمن يمينه, فصافحه صاحبي وعرّفه باسمه فعزمه الشيخ على تناول الغداء معه! أما أنا فلم يكن دوري إلا مراقبة الشيخ, ولم أحرص على السلام عليه؛ لأني زورتُ في نفسي أن أسلم عليه إذا قام خارجاً من المسجد, وبعد صلاة الفجر مكث الشيخ يذكر الله حتى خرج أكثر من في المسجد إن لم يكن كلهم, ورأيت الشيخ يعد بيده مائة مرة (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير), فقلت في نفسي: سبحان الله مع كثرة أعماله التي لا تستطيع أن تقوم بها مؤسسات إلا أنه يحافظ على ورده, ثم ذكرت أن هذا مما يعين على القيام بالأعمال.
قام الشيخ من مكانه متوكئاً على عصاه باليد اليمنى, واضعاً يده اليسرى على ذراع قائده, مشى الشيخ قليلاً فتقدمتُ إليه مسلِّماً, وحيث إن صوتي ضعيف من الأصل,  وأظن أنه ازداد ضعفاً هيبة بالوقوف أمام هذا الجبل, فقلت: السلام عليكم, ووآسفاه لم يسمع الشيخ إلقائي للتحية! فهو مستمر في مشيه وأنا أمامه  مادّاً يدي, متجهاً بجسدي إليه, مقبلاً برأسي جهة رأسه لأُقبِّله, فلم أع إلا وضَرَبَ رأسي رأسه ضربةً رنت منها أذني! واختل وقوفي! والشيخ لا يزيد عن قول : لاحول ولا قوة إلا بالله! فأردتُ أن أتدارك شيئاً من الموقف الذي لا أُحسد عليه! فقلت مرة أخرى : السلام عليكم, قلتها: وأنا أقول هل خرج السلام بصوت مسموع! فلما سمعتُ الشيخ يرد علي السلام بهمهمته المعروفة فرحتُ, ثم سأل الشيخ عن حالي! وكأن شيئاً لم يكن! وأردف قائلاً تغد معنا اليوم, فقلت: يا سماحة الشيخ ضربة رأس وغداء! ثم مشيتُ معه حتى ركب سيارته... ذهبنا إليه في دار الإفتاء في اليوم نفسه فأعاد علينا الدعوة إلى الغداء مؤكداً ألا نتركه.
ذهبنا إلى منزله, وكان من ضمن الحضور طلبة من الكويت, جاءوا لتناول الغداء مع الشيخ رحمه الله, فلما دخلنا المكان المعد لتناول الطعام تزاحم الكويتيون جزاهم الله خيراً على السفرة التي يجلس فيها الشيخ رحمه الله حرصاً منهم على القرب من سماحته, فزاحمتهم حتى أخذت مكاناً مناسباً أمام الشيخ, كنت أتابع الشيخ في فعله, فكان في غاية الكرم واللطف مع ضيوفه, حتى أنه لما انتهى من الأكل التفت إلى من بجواره من أصهاره يسأله بصوت منخفض, هل انتهى الحاضرون من تناول الغداء؟ فقال: لا, فمكث الشيخ مكانه حتى انتهوا , فلما قاموا قام رحمه الله ثم رجعنا إلى المجلس, فطلب  المشرف على الكويتيين من الشيخ أن يوجه إليهم كلمة , فقال الشيخ بعد أن حمد الله وأثنى عليه : هذه كلمة للكويتيين وغيرهم من الإخوة, ثم فسَّر لنا الشيخ سورة العصر بكلمات تشع ضياءً  ثم جاءت الأسئلة فسأله صاحبي إذ كان جالساً بجواره سؤالاً  عن أنهم في أمريكا يقومون بمظاهرات سلمية ينددون بفعل اليهود في فلسطين - وكان صاحبي مبتعثاً هناك ومسؤولاً عن مركز إسلامي- فهل يجوز لهم المشاركة في تلك المظاهرات حتى لا يتهمون بأنهم لا يهتمون بقضايا المسلمين؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: هذا من البدع والمحرمات ولو كانت سلمية, فإنكار المنكر ليس هذا سبيله, والتعبد بذلك من المحدثات... خرجنا من منزل الشيخ على أذان العصر وكلنا قد ملئت قلوبنا الفرحة بالجلوس مع هذا العالم , فرحم الله شيخنا ابن باز رحمة واسعة.
في عام 1430هـ ذهبتُ بصحبة أحد المشايخ غفر الله له لزيارة رجل كبير معمر  ببلدة الهياثم, دخلنا مزرعته, فإذا هو رجل قد عركته الحياة وعركها ! وقد بلغ من الكبر عتياً , جلسنا إليه رحمه الله فأخبرنا أنه ولد عام 1334هـ, فسألته عن وقعة السبلة إذ بلغني أنه يعرفها, فقال: نعم, شاركتُ فيها مع الملك عبدالعزيز رحمه الله, وكان عمري 14سنة, وكان يوماً عصيباً, كان معهم في بداية الأمر الهواء وقد وضعوا لهم متارس من الحجارة يُخْرجون منها بنادقهم ويطلقون علينا, ولكن كان التوفيق من الله للملك عبدالعزيز ومن معه رحمهم الله,  فقلب الله الهواء لنا عليهم, وثار عليهم غبار من الأرض لعله من ركض الخيل ومشي الرجال , وكنتُ من الراجلة, فنصرنا الله.
ومن عجيب هذا الشيخ رحمه الله أنه يجيد اللغة الإنجليزية؛ لكونه عمل في أرامكو سنوات, فأتقن تلك اللغة, وهو مع ماحباه الله من علوم ومعارف سواء في الأنساب أو رواية التأريخ أو غيرها, شاعر مجيد, وقد أهدى إلينا ديوانه, ذلكم هو الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العنقري رحمه الله, وقد توفي عام 1432هـ وقد قارب المائة رحمه الله وغفر له, ولا أدري كيف تذكرته في هذا اليوم! لا سيما أني لم أجلس معه إلا تلك الجلسة رحمه الله وغفر له.
كنت في لبنان لإلقاء دورة علمية فقلت للشيخ المنسق هناك جزاه الله خيراً من أكبر المشايخ عندكم هنا؟ فقال: قد يكون الشيخ زهير الشاويش, (بتحبوا) أن نزوره؟ فقلت: نعم, توجهنا إلى حازمية بيروت حيث يسكن الشيخ, ودخلنا عليه فبعد السلام والسؤال عن الحال, قدّم لنا رحمه الله المهلبية! ثم سألته كيف حصل على المخطوطات؟ فقال: هذا جهد سنوات, وسأقول لكم أن مخطوطات كثيرة كانت تباع بثمن رخيص عند رجل يسمى حنيشل في محل له بالرياض, وحدثنا عن كيفية ذهابه بمخطوطات من نجد إلى قطر , ومنها إلى بيروت باسم غير اسمه! وذلك لما اشترى كتباً مخطوطة من ورثة أحد علماء نجد بعد وفاته والتي كانت عند حنيشل رحمهما الله.
قال الشيخ بعد حديثه هل أنا أجزتكم في رواية الحديث عني؟ فقلت: لا, فإني أول مرة أراك غفر الله لك, فطلب أوراق الإجازة بعد أن أجازنا جميعاً وكنا ثلاثة وختم عليها, فودعناه رحمه الله بعد الشكر له على حسن الضيافة.  
رسخ في الذاكرة لقاء وحيد مع اللغوي والتربوي والعبقري الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالله الرويس رحمه الله حيث ذهبت بالشيخ سعد الحصين رحمه الله لزيارته حين طلب مني ذلك, قال الشيخ سعد: هذا الرجل الذي سنذهب إليه معه كمبيوتر إلهي! فهو عجيب في الحفظ يحفظ الألفيات كألفية ابن مالك , وألفية العراقي, وألفية السيوطي, غير حفظه للمتون الأخرى!
فتح لنا باب منزله مرحِّباً وفرِحاً بالشيخ سعد فتجاذبا أطراف الحديث في أمور كثيرة, وكان الأستاذ عبدالعزيز الرويس يستشهد بأبيات من الألفيات فيقول مرة قال ابن مالك, ومرة قال العراقي!
جاء ذكر موضع في شعر أحد الشعراء المتقدمين فقال: وهم الشيخ عبدالله بن خميس رحمه الله في تحديد موضعه؛ لأن الشاعر قال قبلها كذا, وهذا مكان معروف جهة الخرج.(كنتُ كتبت تصويبه للوهم, وأظن أنه "جو اليمامة").
قال: إنه درس على مفتي الديار محمد بن إبراهيم رحمه الله, ويقول عنه: هذا باني العلماء والقضاة في هذه البلاد. ويقول: تخرجت في كلية اللغة العربيةعام1378هـ. وقد عرض عليه القضاء في محكمة الرياض فكتب قصيدة إلى الشيخ محمد رحمه الله يستعفيه منه فأعفاه.
كان منافحاً عن اللغة العربية, ويكتب الشعر فيها, وقد أهدى ديوانه إلينا " حصيد الزمن" وأذكر منه قوله في رثاء الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:
فكم قلتَ في التوحيد رأياً محققاً *** وحلَّلْتَ كتب الفقه بالمنطق السلسِ
توفي الأستاذ عبدالعزيز رحمه الله عام 1434هـ.
وممن جاءتْ بهم الذاكرة أبي عبد المجيد عبدالرحمن بن عبدالله آل عبدالكريم رحمه الله وغفر له الذي حدثني أنه ولد قبل وقعة السبلة بخمس سنين أي عام 1342هـ, كان غفر الله له مهتماً بصحته, حيث قال: منذ أكثر من أربعين سنة لم أترك رياضة المشي, يقول: مرة كنتُ في المغرب, وكانت السماء تمطر, فأخذتُ المظلة, وذهبت للمشي في ساحة الفندق والسماء تنزل بمطر منهمر, كل هذا لئلا أترك هذه الرياضة النافعة.
وكان يحدث عن نفسه رحمه الله أنه -وعمره قد قارب التسعين- يصعد الدرج شفعاً لا وتراً, وكان يكتب الفوائد والحكم التي يقف عليها, ويزود بها من يزوره, وقد أعطاني مجموعة من الأوراق فيها حِكماً وفوائد ونصائح طبّية, كان يقول: كُل الماء واشرب الطعام! ثم يقول هل تعرف كيف يكون ذلك؟ ثم يجيب فيقول: امضغ الأكل جيداً حتى يصبح كالماء, فإنك ستجد المعدة تقول لك شكراً!
كان رحمه الله يكتب دواوينه بخطه الجميل رحمه الله توفي رحمه الله عام 1436هـ, وقد كتب الشيخ سعد الحصين رحمه الله عنه مقالاً نشر بعنوان(أبو عبدالمجيد أستاذ الأجيال).
أختم هذه الذكريات بأنني كنت مرة في مجلس العلامة المحقق أبي سليمان عبدالرحمن العثيمين رحمه الله بعنيزة وكان في المجلس ابن عمه المؤرخ الدكتور عبدالله العثيمين رحمه الله فحدثنا أنه ذهب مرة إلى سوق أشيقر بالرياض فدخل محلاً ليشتري شيئاً منه, وكان البائع فيه من إخواننا من أهل اليمن , والدكتور عبدالله لباسه ومظهره المتواضع لا يُظهر بأنه عالم في تخصصه وأنه من أهل الاطلاع, فقال لصاحب المحل: بكم هذه؟ فقال: بخمسة وثلاثين ريالاً, وقيمتها في نظر الدكتور أقل من ذلك, فقال الدكتور: سآخذها بخمس وعشرين أو بعشرين الشك مني, فقال البائع وكان مثقفاً: فظيع جهل ما يجري! ففطن الدكتور لمقصده وإشارته! فرفع إليه رأسه مكملاً عجز البيت: وأفظع منه أن تدري! فعرف البائع بعد أن بدت عليه علامة التعجب أن الذي أمامه ليس مجرد كبير سن من عوام الناس, فقال: خذها بلا ثمن, فأبى الدكتور عبدالله إلا أن يدفع قيمتها, خرجنا من مجلس الدكتور عبدالرحمن بعد أذان العشاء, فقال الدكتور عبدالله: تناولوا العَشاء معنا, فقلت: أكرمكم الله, بإذن الله عشانا في سدير, فقال: أرض سدير بعد نزول الأمطار ووقت الربيع من أفضل أراضي نجد التي يمكن قصدها؛ فإن أنواع الزهور والأعشاب تخرج بأرضها ما لم أجده في بقية بقاع نجد حتى بلدنا القصيم, فقلت: بإذن الله يأتي الربيع, ونتشرف بدعوتكم , فقال: الشرف لنا.

بقي رجال تستمطر الذاكرة مواقفهم لعل الله يمنّ بفسحة من الوقت؛ لأقيدها في عيد آخر بإذن الله.


كتبه
د.  محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
     







الاثنين، 18 أبريل 2016

يالسمطي قبور الصحابة رضي الله عنهم مُكرَّمة محترمة


يالسمطي قبور الصحابة رضي الله عنهم مُكرَّمة محترمة

 

لقد ساءني كثيراً ما كُتب في صحيفة الجزيرة في عددها(15906) يوم السبت الموافق 9/7/1437هـ تحت عنوان ( يوميات عابر أطلال: من مرابع امرئ القيس إلى منازل حاتم الطائي- الحلقة السادسة عشرة- بقلم عبدالله السمطي) إذ اشتمل  مقاله على أغلاط يجب إنكارها فمنها:

 

1.   ما ذكره في ذهابه لقبر رسولنا صلى الله عليه وسلم وإخباره أنه قرأ الفاتحة أمام قبره عليه الصلاة والسلام بل قرأها أكثر من مرة !! وذكر السمطي أنه لما مر بمقبرة البقيع وهو في السيارة ذاهباً للمسجد النبوي قرأ الفاتحة !!

 

فيقال له هداه الله: هل ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قرآناً عند قبر من القبور؟ أو جاء عنه أنه إذا مر بقبر قرأ الفاتحة؟

 

وهل جاء عن أحد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أنه قرأ الفاتحة عند قبره صلى الله عليه وسلم أو عند قبر غيره ؟

 

الجواب: أنه لم يأت عن نبينا صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته رضي الله عنهم قراءة شيء من القرآن لا الفاتحة ولا غيرها عند قبر ولا عند المرور على المقابر كما فعل هذا الرجل.

 

أفلا يسعه ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاكتفاء بالسلام على الموتى والدعاء لهم؟

 

أم أنه يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك شيئاً من الخير لم يبلِّغ أمته به؟

 

أم أن الأخ السمطي أدرك شيئاً من العلم لم يدركه الصحابة رضي الله عنهم؟ فلم يعلموا به! ولا عملوه,  وعلِمه هو!! فعمل به؟

 

 قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله: (ما علمت أحداً يفعل ذلك) يعني قراءة شيء من القرآن عند القبر, علّق الإمام ابن تيمية رحمه الله على كلام الإمام مالك قائلاً:(فعُلِم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه), فهل سيقتدي بهم صاحب يوميات عابر أطلال؟ هذا ما أرجوه.

 

وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة واضح بيّن, قال ابن القيم رحمه الله:(كان صلى الله عليه وسلم إذا زار قبور أصحابه يزورها: للدعاء لهم, والترحم عليهم, والاستغفار لهم, وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشرعها لهم... وكان من هديه صلى الله عليه و سلم تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره, وكل هذا بدعة حادثة مكروهة).

 

2.   ذكر الأخ عبدالله السمطي أصلح الله حالنا وحاله ما نصه:(عثرتُ على مكان قمتُ فيه بالصلاة ركعتين في حضرة الحبيب المصطفى), وهذا اللفظ منه(حضرة الحبيب المصطفى) صلى الله عليه وسلم إن كان مقصوده أن الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد لصلاته , حاضر لأدائها فهو جهل منه أصلحه الله ولا يقول به أحد من أهل السنة, أما غير أهل السنة فليست هذه بأكبر ضلالهم.

 

وإن كان يقصد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم القُرب من قبره صلى الله عليه وسلم, فإن هذا قد يكون وارداً لغة, قال الجوهري في الصحاح:(حَضْرة الرجل: قُرْبه وفناؤه) إلا أنه لا فرق شرعاً في الفضل بين مكان ومكان في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم سواء قَرُبَ من مكان قبره صلى الله عليه وسلم أو كان بعيداً ما دام في المسجد إلا الصلاة خلف الإمام مباشرة, والروضة الشريفة , علماً أني لا أعلم دليلاً في جعل الصلاة بالروضة أعظم أجراً, وأكثر ثواباً من بقية مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم, مع أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنها روضة من رياض الجنة, فلا شك في فضلها, ولكن لا أعلم دليلاً يجعل الصلاة فيها أكثر أجراً  وأفضل ثواباً من بقية المسجد.

 

وكان الأولى للكاتب أن يبتعد عن الألفاظ الموهمة التي تجعل كلامه مشابهاً لكلام أهل البدع الذين يزعمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون شاهداً معهم, بل وحاضراً لبعض بدعهم كما هو مشهور عنهم, خاصة في احتفال المولد.

 

3.   قال عبدالله السمطي أصلحنا الله وإياه:( ثم خرجنا أنا والدكتور عيد اليحيى ووقفنا عند سور البقيع حيث مقابر الصحابة والمسلمين الأوائل... المقابر مجرد مقابر ترابية ، عليها بعض الحجارة كشواهد، هكذا فقط، لا أضرحة ، لا مزارات، لا نباتات ، لا أشجار، لا لوحات رخامية مكتوب عليها أسماء هؤلاء الصحابة (رضي الله عنهم) الذين أسهموا في نشر الإسلام وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى بالمدينة المنورة، هؤلاء الذين رضي الله عنهم في دنياهم وآخرتهم، وبشر بعضهم بالجنة. بعد أن رحلوا لم يكرموا، مجرد قبور ترابية عليها بعض الحجارة... هل كان ينبغي - على الأقل - أن توضع لوحات بأسمائهم حتى على سور البقيع، هنا يرقد هذا الصحابي، أو هذا القائد حتى من وجهة تاريخية ؟!

 

إن الناس لن تتعلق بالأضرحة تماما، لكن على الأقل تعرف من يرقد في هذا القبر أو ذاك.

 

لم تعجبني مقابر البقيع أبدا، ولم يعجبني عدم تكريم هؤلاء الصحابة والمسلمين الأوائل, إن دولا أخرى تصنع مزارات كبيرة لشخصيات أقل منهم ربما في العالم الإسلامي وغير العالم الإسلامي.. فلماذا تأتي قبور الصحابة بهذه الصورة المهينة البائسة، من كرمهم الله في الدنيا ورضي عنهم وبشرهم بالجنة لابد أن يكرموا في قبورهم بعد رحيلهم).

والجواب عن هذا من أوجه منها:

 

أ‌-    لا أدري هل الكاتب يعلم شيئاً عن النصوص الشرعية الكثيرة في تحريم البناء على القبور, وتجصيصها, وإسراجها, ورفعها, والكتابة عليها؟ هذا الذي يظهر من حال الكاتب, و إلا فلا أظن أحداً يعلم الأدلة الواردة في تحريم ذلك ثم يزعم اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم الصحابة رضي الله عنهم ثم يطالب بتلك المطالب التي ذكرها صاحب المقال.

 

فمن الأدلة: ما جاء في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجصص القبر, وأن يُقعد عليه, وأن يبنى عليه.

 

وأخرج مسلم أيضاً في صحيحه عن ثمامة بن شفي رحمه الله قال : كنا مع فضالة بن عبيد رضي الله عنه بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوّي ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها.

 

وأخرج مسلم أيضاً عن أبي الهياج الأسدي رحمه الله قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبراً مشرفا إلا سوَّيته.

 

قال ابن القيم رحمه الله:(ونهى صلى الله عليه وسلم عن الكتابة عليها كما روى أبو داود والترمذي في سننهما عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها, قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها.

 

 ونهى صلى الله عليه وسلم أن يزاد عليها غير ترابها كما روى أبو داود من حديث جابر أيضاً : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه, وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص .

 

 ونهى عمر بن عبدالعزيز: أن يبنى القبر بآجر وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره

 

 وقال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون الآجر على قبورهم

 

 والمقصود : أن هؤلاء المعظمين للقبور, المتخذينها أعياداً , الموقدين عليها السُّرج, الذين يبنون عليها المساجد والقباب, مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم, محادُّون لما جاء به, وأعظم ذلك اتخاذها مساجد, وإيقاد السرج عليها وهو من الكبائر).

 

وقال الذهبي رحمه الله:(ولا نعلم صحابياً فعل ذلك) يعني الكتابة على القبور.

 

وقال ابن الحاج رحمه الله في مدخله:(وليحذر من هذه البدعة التي اعتادها بعضهم وهي جعل الرخام على القبور وهي بدعة, وسرف, وإضاعة مال, وفخر, وخيلاء, وكذلك كل ما حواليه, وليحذر من أن يجعل على القبر ألواحا من خشب عوضا عن الرخام, وكذلك يحذر من أن يجعل عليه درابزين إذ أن هذا كله من البدع المكروهة في الشرع الشريف, وقد تقدم صفة القبر على السنة, فكل ما خالفها فهو بدعة مكروهة ... وليحذر مما يفعله بعضهم من نقش اسم الميت, وتأريخ موته على القبر سواء كان ذلك عند رأس الميت في الحجر المعلَّم به قبره ... أو كان النقش على البناء الذي اعتادوه على القبر مع كون البناء على القبر ممنوعاً كما تقدم,  أو كان في بلاطة منقوشة أو في لوح من خشب وأشد من ذلك أن يكون على عمود كان رخاما أو غيره).

 

فهذه بعض النصوص الشرعية, وبعض النقولات عن علماء من مذاهب فقهية مختلفة كلها تبين فساد قول الكاتب, وتُظهِر بطلان طلبه.

 

ثم قوله هداه الله:(إن الناس لن تتعلق بالأضرحة تماماً) كأنه لا مانع لديه أن يتعلق الناس بالأضرحة لكن ليس على التمام!!

 

ولا مانع أن يقال للأخ عبدالله السمطي: هل عندك علم بالمستقبل أن الناس لن تتعلق بالأضرحة؟ وهل اطلعت على الغيب؟ أو على الأقل هل لديك دليل على قولك هذا؟ حتى تكتب للقراء مثل هذا الكلام.

 

 أما بلغك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوع الشرك في هذه الأمة؟ أما سمعت قوله صلى الله عليه وسلم: « لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى » رواه مسلم,  أما بلغك أن من أنواع الشرك ما هو أخفى من دبيب النمل؟ أما بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال وحوله بعض أصحابه (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ) متفق عليه، قال مبارك الميلي الجزائري  رحمه الله :( فطلب من أصحابه - وهم في الإيمان أعلى درجة من كل من يأتي بعدهم - أن يبايعوه على اجتناب الشرك).

 

قالها لهم وهم في بلد الإيمان (المدينة النبوية) ولم يقل نحن في بلد التوحيد فلا داعي لها, بل حذرهم من الشرك كبيره وصغيره وخاف عليهم منه ففي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" فهذا الخطاب للصحابة  رضي الله عنهم وأرضاهم وخطاب لمن بعدهم ومع قوة إيمان الصحابة خاف عليهم فكيف بحالنا!

 

بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر , ثم ذكر عن ابن أبي مليكة رحمه الله أنه قال :(أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل).

 

قال محسن بن موسى رحمه الله : كنت عديل سفيان بن الثوري إلى مكة فرأيته يكثر البكاء فقلت له : يا أبا عبد الله بكاؤك هذا خوفا من الذنوب ؟ قال : فأخذ عوداً من المحمل فرمى به فقال : إن ذنوبي أهون علي من هذا, و لكني أخاف أن أسلب التوحيد. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان.

 

هل تعلم يا أخ عبدالله أنه ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى ثلاث مرات: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر , اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت) أخرجه أحمد, فهذا رسولنا عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم يتعوَّذ بالله من الكفر, تربية منه صلى الله عليه وسلم لأمته على الخوف من الكفر والحذر منه .

 

وشيخ المرسلين إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان من دعائه:(واجنبني وبني أن نعبد الأصنام), قال إبراهيم التيمي رحمه الله:(من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم ، حين يقول: رب( اجنبني وبني أن نعبد الأصنام ).

 

ب- قال عبدالله السمطي وفقنا الله وإياه للهدى:(لم تعجبني مقابر البقيع أبداً، ولم يعجبني عدم تكريم هؤلاء الصحابة والمسلمين الأوائل)

والجواب: ليس الأمر والمراد طلب إعجابك هداك الله, بل المطلوب رضى الله  في العمل بشرعه واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وقد مضت الأدلة الدالة على تحرم ما تريده , والنهي عما يحقق إعجابك.

 

ثم إن من عدم تكريم قبور الصحابة رضي الله عنهم تحقيق ما يطلبه السمطي, فالصحابة رضي الله عنهم بذلوا أرواحهم للدفاع عن عقيدة التوحيد , ومحاربة كل ما يؤدي إلى الشرك: ومن ذلك رفع القبور, والبناء عليها, وجعل القبب والمشاهد فوقها, ثم يأتي هذا الصحفي ويريد نسف جهودهم رضي الله عنهم التي بذلوها في قطع وسائل الشرك وإماتة البدع بأن يجعل على قبورهم ما هو خلاف شرع الله, وخلاف ما بذلوا مُهجهم من أجله.

 

إن تكريم الصحابة رضي الله عنهم يكون باتباع منهجهم, والاقتداء بهم, ومحبتهم, والترضي عنهم, ولزوم طريقهم خاصة في تحقيق التوحيد والدعوة, والبعد عن الشرك وقطع الوسائل والذرائع التي تؤدي إليه , لا بالمطالبة بأن تكون قبورهم مزارات ومشاهد وحدائق تزرع فيها الأشجار والنباتات كما أراد الكاتب أصلحه الله.

 

ج- قال السمطي:(إن دولاً أخرى تصنع مزارات كبيرة لشخصيات أقل منهم ربما في العالم الإسلامي وغير العالم الإسلامي.. فلماذا تأتي قبور الصحابة بهذه الصورة المهينة البائسة)!!

 

عجيب هذا المنطق منذ متى كانت أفعال الناس حجة تُردُّ بها أدلة الشرع؟

 

ولماذا لم تجعل عمل المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم, وعهد من بعده الصحابة هو الحجة؟ بل لماذا لم تحتج بأن ما رأيته في المملكة العربية السعودية هو الصواب؟ لماذا جعلت تلك الدول التي جعلت القبور مزارات على الحق؟ بل وجعلت عمل دول ليست بمسلمة حجة !! تريد ممن يسير على نهج النبوة أن يتركه ويقتدي بتلك الدول؟

إني أقولها واضحة بينة: إن من مفاخر المملكة العربية السعودية حماية التوحيد, ومحاربة الشرك ووسائله, ومن تلك المفاخر  إزالتها للقباب والمشاهد المحرمة التي كان في مقبرة البقيع وغيرها, ومن رأى صور المقابر التي كانت قبل دخول الحجاز تحت ولاية آل سعود وحالها بعد دخولها تحت ولايتهم حمد الله أن هيأ للحرمين الشريفين حكومة تمحو بفضل الله مظاهر البدع والشرك فجزاهم الله خيراً ونصر بهم دينه, وهم في فعلهم هذا قد قاموا بما أمر الله به, وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم, قال ابن القيم رحمه الله:(يجب عليه -أي إمام المسلمين- أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً).

 

ولو تُرك الأمر لبعض الجهلة في تحقيق ما يعجبهم في مسألة القبور والأضرحة لحصل الفساد ولوقع الشرك, قال الشوكاني رحمه الله:(وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام, منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام, وعَظُم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج, وملجأ لنجاح المطالب, وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم, وشدّوا إليها الرحال, وتمسحوا بها واستغاثوا, وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون...ثم قال رحمه الله: فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟ وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن هذا الشرك البين واجباً؟). رحم الله الشوكاني ورحم الله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وحمى الله بلادنا من الشرك والبدع والمنكرات وجميع بلاد المسلمين.

 

ولعل عبدالله السمطي ومن معه يشتغلون بما ينفعهم عند لقاء ربهم, فيبذلون جهدهم فيما يقربهم لمولاهم, بدلاً من تتبعهم لأحداث وأمكان وجودها, كمعرفة أن امرئ القيس مات بأنقرة, أو أن الشنفرى هلك مقتولاً في واد بالباحة وتضييع الجهد في تحديد أمكانهم, أو أن القتال الذي وقع بين القبيلة الفلانية والقبيلة الفلانية كان في المكان الفلاني, فالجهل بتلك الأمور وما دار حولها لا يضر, بل يلهي عن التزود للدار الآخرة, وهي ليست من العلوم المطلوبة شرعاً, والله المستعان.

 

 

كتبه

د.  محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح

عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء

 

 

  

 

السبت، 19 مارس 2016

(عن معالي الشيخ محمد العبودي حفظه الله أُحدِّثكم)


(عن معالي الشيخ محمد العبودي حفظه الله أُحدِّثكم)


لا تخطئ الأُذن صوته,فهو يشُدُّ السامع بحلاوة منطقه, وجميل لفظه, وعذوبة عبارته, ويأسره بواسع معرفته, وكبير اطلاعه, ووفرة علمه, مع ما حباه الله من خُلُق رحب, وتعامل عذب.

يتفنن في إيراد القصة مع ضبط تام لأحداثها, يُوردها كأنه ينظر إليها, مع أنه قد مرَّ عليها غبار السنين.

 تتقاصر همم دون همته, يمضي ثلاث عشرة ساعة من يومه بين بحث وكتابة وقراءة, زاده الله من فضله.

 نسخ كتباً بيده في سالف عصره , يقيد كل شيء تقريباً بل ويوصينا دائما بأن نكتب كل شيء, وإن غلب على الظن ألا فائدة من كتابته الآن.

ما سئل عن شيء يعرفه فكتمه, بل يضفي على مقدار الجواب ما هو أحلى من الجواب نفسه!

عَيْبةُ علم في التأريخ وأخبار الناس, حوى من شتى الفنون والعلوم, بُلْداني رحّال, لم يبق دولة إلا وداست قدمه  مدنها وقراها إلا دولة خليجية واحدة نزل في مطارها فقط مغادراً لغيرها , وليس هناك من مانع إلا أن الله لم يقدِّر له التِّجْوال فيها.

بصير بأشعار العرب, حافظ للشعر فصيحه وعاميه, أشهد أن الوقت يمر علينا في مجلسه أسرع ما يكون.

ترى وتسمع في مجلسه غفر الله له ما يسرُّ الخاطر, ويفرِحُ القلب, فإن شئتَ سمعتَ حِكماً وأمثالا, وإن شئت ألتقطتَ درراً ولؤلؤا.

 في مجلسه تجد العلم, والأدب, واللغة, والتأريخ, والسير.

في مجلسه تسمع أخبار المسلمين في العالم وما رآه من أوضاعهم, بل وأخبار غيرهم , مع كرم ضيافة, وخدمة وافية. 

في مجلسه ترى التواضع المعهود من مشايخنا فدائماً يطلب من جلسائه أن يتكلموا لا أن يكون هو المتحدث فقط, وكأني بالحاضرين يهمهمون لم نأت إلا لنسمع منك وحدك لا نريد شريكاً لك.

رزقه الله حافظة لاقطة, وذاكرة فائقة, حفظ الله بها علوماً وأخباراً لا تجدها عند غيره, بارك الله له فيها.

وقد قال صاحبنا الشيخ الدكتور الأديب زيد بن سعد الغنام وفقه الله عن معاليه:

هذا العبودي قد زانت مجالسه *** شيخ التآليف والرحالةُ العلم
طاف البلاد لدين الله داعية *** أكرم به عملاً تعلو به القمم
تسنم المجدَ والعلياءُ همتُه *** لا يبلغ المجد إلا من له همم
عبر الأثير سمعنا من نوادره *** قولاً جميلاً ودُرّاً حين ينتظم
أسلوبه الفذ يغري كل ذائقة *** ويبهر الناس حتى من به صمم
مرت عقود وما لانت عزائمه *** وما خبا الفكر والإسهام والقلم
طابت مقاصده فاقت مآثره *** سيذكر العُرْب ما أداه والعجم
إن جئت تبغي كنوزاً من معارفه *** تلقى الحفاوة منه وهو مبتسم
إن الوفاء لمثل الشيخ واجبنا *** يمليه دين وعُرفُ الناس والشيم

حقيقة إنه درة من درر هذا الزمان, ومن نوادر عصرنا, قال الشيخ الزاهد سعد الحصين رحمه الله في مقاله المنشور في صفحات جريدة الجزيرة والذي عنوانه(العلامة محمد العبودي مثلٌ بارز للإنتاج العلمي والعملي) ما نصه: (يسُرُّني في هذه الأسطر أن أضرب مثلاً بارزاً للسّعودي المتميّز بجدّه وهمّته وسيرته العلميّة والعمليّة: معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي (الإداري التّربوي اللغوي المؤرخ...) وقد عرفه أكثر المواطنين بما يذاع من سيرته في السَّفَر تعرُّفاً وتعريفاً بكلّ بلد على وجه الأرض تحتاج مؤسّسات الدّعوة إلى الله التي عمل فيها إلى معرفة أحوال مواطنيها من المسلمين ولو كانوا قلّة لا تكاد تذكر.

ومعالي الشيخ العبودي عالم من الطّراز الأول؛ ضليع في العلوم الشرعيّة وضليع في علوم آلتها، وبوتقة ربّانيّة جمع الله فيها العلم والعمل والمواهب.

طلب العلم على فحول العلماء مثل الشيخ محمد بن ابراهيم والشيخ عمر بن سليم والشيخ عبد الله بن حميد والشيخ صالح الخريصي رحمهم الله جميعاً.

 كان أوّل أعماله: إدارة مكتبة جامع بريدة، ثمّ التّدريس في أوّل مدرسة عصريّة في بريدة، وكانت إحدى (9) مدارس أمر الملك عبد العزيز رحمه الله بافتتاحها في نجد، وكانت مدرسَتِي في شقراء إحداها ولكن تأخّر افتتاحها مع مدرسة الرّياض بضعة أعوام، ولعلّ الخير في ذلك فقد رحّب الأهالي بقدومها بينما ضاق بها أهل بريدة خوفاً من سوء تأثيرها على أولادهم، وزاد خوفهم باستيراد إداريّين ومدرّسين من أهل الحجاز وفيهم الحليق والمدخّن وهو مالم يُعْرف في بريدة من قَبْل.

وكانت وظيفته الثالثة مديراً للمدرسة الثانية في بريدة.

ولما منّ الله على الملك سعود رحمه الله بفتح المعهد العلمي (الدّيني) في الرّياض عام 1370 (وكان وليّاً للعهد ولكن والده الملك عبد العزيز رحمهما الله قد سلّمه دفّة الحكم قبل وفاته بخمس سنين في رواية حمد الجاسر وثلاث سنين في رواية عبد الله فلبي)، ثمّ فَتْح المعهد العلمي ببريدة واختار الشيخ محمد بن إبراهيم تلميذه الشيخ محمد بن ناصر العبودي لإدارته، وزاد عدد هذه المعاهد المباركة على (60) معهداً في الدّاخل والخارج.

وفي عام 1380 منّ الله على الملك سعود رحمه الله بإنشاء الجامعة الإسلاميّة بالمدينة برئاسة الشيخ محمد بن إبراهيم لتعليم المسلمين من خارج المملكة المباركة الاعتقاد الصّحيح والعبادات والمعاملات الصحيحة كما كانت على عهد النّبيّ صلى الله على وسلّم وأصحابه، وأهداها (28) بيتاً من بيوت قصره كانت أوّل مأوى لها، واختار الشيخ محمد بن إبراهيم تلميذه محمد بن ناصر العبودي مديراً لها مع الشيخ ابن باز رحمه الله نائباً للرّئيس في أعلى مرتبتين بالجامعة، وبدأت رحلات العلاّمة الشيخ محمد العبودي إلى أدنى الأرض وأقصاها.

ولما أنشئت الهيئة العليا للدعوة برئاسة الأمير سلطان رحمه الله اختار الأمير سلطان العلاّمة العبودي ليكون يده اليمنى في الهيئة.

 ثمّ اختاره ولاة الأمر أميناً عامّاً مساعداً لرابطة العالم الإسلامي فواصل رَحَلاته العلميّة الدعويّة إلى بقيّة أقطار الأرض، حتى ناهز السّنة التّسعين من عمره المقصور على العلم والتّعلّم والتّعليم.

وتعلّم من مشايخه - زيادةً على مسائل الاعتقاد والعبادات والمعاملات، وزيادةً على لغة القرآن والسّنّة وعلوم القرآن وأصول الفقه ومصطلح الحديث والتّاريخ والسِّيَر - أخلاق العلماء بشرع الله في حركاته وسكناته وسَمْتِه وحديثه، ومع حُبِّه للمرح فلم أره زاد على الابتسام عند روايته أو إنصاته لرواية غيره طُرْفة تعجبه، ولم أسمعه رفع صوته غضباً من قول أو عمل لا يرضيه، ولعلّه أخذ من شيخه العلاّمة عبد الله بن حميد رحمه الله - بخاصّة - المرح والتّسامح ولِيْن الجانب للجميع؛ من يوافقه منهم ومن يخالفه.

 ظلمه بعض الكتّاب الجهلة بشرع الله فلزّوه في قَرَنٍ مع ابن بطوطة المغربي، ولا سواء، فإنّ جُلَّ رحلات العلاّمة العبودي كانت في خدمة دولة التجديد والتّوحيد والسّنّة والدّعوة إلى ذلك , بينما كانت رحلة ابن بطوطة لإرضاء شهوة في نفسه، ويُرْوى أنّ ابن بطّوطة قضى بضعةً وعشرين عاماً في التِّرحال على الدّوابّ والسّفن الشراعيّة فله ما لاقى من عنت، وعليه أنّ أكثر وقته ضاع قبل الوصول إلى غايته في آسيا وأفريقيا، والبرتغال بحثاً عن بحر الظّلمات، وأملى ما ادّعاه من رحلته على محمد بن محمد بن جُزَيّ رحمهما الله في مجلّد واحد، وشكّ الباحثون في وصوله إلى الصّين بل إلى صنعاء مثلاً، ولعلّه خلط بين ما رأى وما رُوِيَ له عن مثل سدّ يأجوج ومأجوج، وأوثق دليل على ذلك كذِبه على ابن تيمية رحمه الله أنه رآه يخطب الجمعة ويقول: إنّ الله ينزل إلى السّماء الدّنيا مثل نزولي درج هذا المنبر، وابن تيمية رحمه الله لا يُشَبِّه صفات الخالق عزَّ وجلّ بصفات المخلوق أبداً بل يُنْكِر على المشبِّهة أشدّ الإنكار، ولم يصل ابن بطّوطة دمشق في روايته إلا بعد سجن ابن تيمية الذي مات فيه، عوّض اللهُ ابنَ تيمية بمقعد صدق عند مليك مقتدر.

أمّا شيخنا العلاّمة العبودي زاده الله من فضله فكانت أسفاره كلّها بالطّائرة فيصل إلى غايته في كلّ أقطار الأرض في ساعات معدودة.

واستمرّت رحلاته نحو نصف قرن، وكتب عنها - عوضاً عن كتاب ابن بطّوطة (تحفة النّظّار) الذي خطّه ابن جُزِيّ رحمهما الله - نحواً من (136) كتاباً - طبِع منها أكثر من (100) كتاب - إضافة إلى (16) في الدّعوة و(30) في اللغة والأدب وغيرها.

ولعلّ أوّل كتاب له طُبِع له: (الأمثال العامّية في نجد - 5 مجلّدات) وأكبرها موسوعته عن بلاد القصيم وعن أُسَر القصيم.

وهو - مع سَمْته وعلمه ووظائف عمله الحكومي التي منحه الله أكبرها منذ عام 1380 ونصف قرن بعده - يأخذ بنهج الرّعيل الأول ممن جمعوا بين العلم والعمل الشرعي والجدّ في الإنجاز وبين مراعاة الفسحة والسّعة في الدّين ما اجتُنِبَت المحرّمات وأُدِّيت الواجبات كما قال عنهم عَلَم شقراء العلاّمة أبو عبد الرحمن بن عقيل زاده الله من فضله.

ولكنّه كان يصبر على حنبليّتي (أَوِيْ) - باللفظ المصري - عندما كنت أردُّ جميله - بإهدائي مؤلّفاته المتميّزة - بإلحاحي على أن تكون الأوّليّة والأغلبيّة لنشر إفراد الله بالدّعاء وغيره من العبادة والنّهي عن صرف ذلك لغير الله، نسأ الله في أثره.

كتبه/ سعد بن عبد الرحمن الحصيّن بمكة المباركة في12/3/ 1435هـ).

حفظ الله صاحب المعالي الشيخ الموسوعي محمد بن ناصر العبودي وجزاه الله خيراً إذ اقتطع جزءاً من وقته ليجلس مع محبيه , ونفع الله بعلومه, وأمده بالصحة والعافية والسلامة.


كتبه
د.  محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح

عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء

الجمعة، 18 مارس 2016


 الشيخ العلامة عبدالله العنقري رحمه الله وحاشيته الفقهية من المفاخر

  

تلقيتُ هدية من أخي الشيخ الفقيه الوقور أحمد بن عبدالعزيز الجماز, وكانت الهدية من أحب الهدايا إليَّ , وأغلاها عليَّ, إذ هي (حاشية العنقري على الروض المربع شرح زاد المستقنع).

 
وسيكون الحديث من جهتين من جهة الحاشية نفسها, والأخرى عن مؤلفها الشيخ عبدالله العنقري رحمه الله.

 
فالحاشية قد طبعتْ قديماً في ثلاثة أجزاء عام 1375هـ بعد وفاة الشيخ العنقري بمطبعة السنة المحمدية بمصر, والشيخ رحمه الله قد فرغ منها عام 1367هـ, وقد حدثني شيخنا العلامة صالح الفوزان غفر الله له أن حاشية العنقري وُزِّعتْ عليهم, وهم طلبة في السنة الأولى بالمعهد العلمي ؛ ليستفيدوا منها, وتكون من مراجعهم العلمية,  قال الشيخ أحمد الجماز سدده الله عن تلك الطبعة:( في عِداد نوادر الكتب بين طلبة العلم, لايمكن الحصول عليها إلا عن طريق الاستعارة أو التصوير... إضافة لرداءة الطباعة قديماً... مما تسبب في حصول نقص كثير بها, وسقط وتصحيف, وتقديم وتأخير, وتداخل بعض التعليقات في بعض) وصدق غفر الله له, ولذلك قلّت الاستفادة مع نفاستها , فلم يطِب خاطر الشيخ أحمد أن تبقى على تلك الحال, فجرّد فيها العناية, وأظهر الكفاية, فتم تحقيقها على نسختين خطيتين مقارنة بالمطبوع, فكانت النتيجة خروج الحاشية بحلة من أحسن الحلل, وطباعة من أجمل ما يكون, ووقعتْ في ستة مجلدات.

 
 والأهم من ذلك كله: أن الزيادة الموجودة في المخطوط على المطبوع يبلغ تقريباً ثلث الكتاب! وقد أثبت ذلك الشيخ الجماز في تحقيقه جزاه الله خيراً.

ولاشك في نسبة هذه الحاشية للشيخ عبدالله العنقري رحمه الله, وأذكر أني لما اقتنيتُ الكتاب النافع المفيد (المدخل المفصل) للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله مرَّ علي نسبة حاشية العنقري لتلميذه(الشيخ محمد بن عبدالمحسن الخيال رحمه الله) كما في المدخل(2/773), فتعجبتُ من ذلك , فكتبتُ بجوارها محل نظر, عازماً على كتابة تعليق يثبتُ أن الحاشية من تأليف الشيخ عبدالله رحمه الله, وكنت قد قابلتُ بعض من صحب الشيخ العنقري, وكان لصيقاً به, فسألته عن إمكانية نسبة الحاشية لأحد تلاميذه, فكان الجزم بأن الحاشية للشيخ, ولما رأيتُ ما كتبه أخي الشيخ أحمد الجماز وفقه الله في إثبات نسبتها حضرني المثل المشهور(لا عطر بعد عروس), ومن أوضح الدلائل على أن الحاشية للشيخ عبدالله ما يلي:

 
1. جاء في آخر الحاشية ما نصه:(أملى ذلك الفقير إلى عفو ربه القدير, جامع هذه الحاشية, عبدالله بن عبدالعزيز العنقري وفقه الله تعالى.
قد وقع الفراغ من تبييض هذه الحاشية ... ضحوة يوم الخميس الموافق أول يوم  من جمادى الأولى من شهور سنة 1367هـ بقلم الفقير إلى الله سبحانه وتعالى, راجي عفو ربه, عبدالله بن إبراهيم الصالح الصانع). ومن اللطائف أن ورد في الحاشية (3/232 تحقيق الجماز) ما نصه (تقرير شيخنا الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري حرسه الله تعالى), وفي(5/26) نحوه.

 
ومن المعلوم أن الشيخ عبدالله رحمه الله لم يكتب شيئاً بيده ؛ لفقده بصره عوضه الله الفردوس, وقد كتبها تبييضاً في حياة الشيخ عدد من تلاميذه منهم: الشيخ محمد الخيال, والشيخ حمود التويجري, والشيخ عبدالله الصانع رحمهم الله.

 
 فكيف تنسب الحاشية لأحدهم دون الآخر؟ ومن العجيب أن النسخة المطبوعة القديمة التي تنسب للشيخ الخيال رحمه الله , هي مطبوعة عن نسخة الشيخ الصانع رحمه الله كما في آخرها (3/454).

 
2. أنه ورد في الحاشية (الطبعة الأولى 1/317 , وفي تحقيق الجماز (2/113) ما نصه:(قلت: وقد ذكر شيخنا الشيخ حسن بن حسين بن علي...), ومن المشهور أن الشيخ حسن(ت/1341هـ) من مشايخ الشيخ العنقري لا من مشايخ الشيخ الخيال رحمهم الله.

 
وجاء كذلك في الحاشية (تحقيق الجماز 3/240) : (قال شيخنا علي..) والمقصود به الشيخ الفقيه علي بن عبدالله بن عيسى قاضي الوشم في زمانه(ت/1331هـ) شيخ الشيخ عبدالله العنقري رحمهما الله.

3. أن العلماء الذين ترجموا للشيخ العنقري رحمه الله أو ذكروه, نصوا أن من آثاره العلمية: حاشيته على الروض, بل لا أعلم أحداً جعلها لغيره إلا ما ورد في المدخل المفصل للشيخ العلامة بكر غفر الله له إفادة من غيره, فمثلاً الشيخ محمد بن مانع رحمه الله(ت/1385هـ) ذَكَرَ في مقاله المنشور في جريدة الندوة في عددها(1390) في 7/2/1373هـ بعنوان( وفاة عالم) أن من مؤلفات الشيخ عبدالله العنقري رحمه الله الفقهية : حاشيته على الروض المربع.

والشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله(ت/1389هـ) أحال إلى حاشيته, كما في الفتاوى(9/72) حيث ورد ما نصه:(وقد جاء في " حاشية الشيخ عبدالله العنقري ص 84 في الجزء الثاني ") وجاء في(12/218):(وهذا الكلام والبيان مذكوران في حاشية الشيخ العنقري).

وكذلك الشيخ عبدالرحمن ابن قاسم رحمه الله(ت/1393) نص أن الحاشية من تأليف شيخه العنقري حيث قال في حاشيته على الروض (1/9): (فإن زاد المستقنع وشرحه وقد رغب فيهما طلاب العلم غاية الرغب، واجتهدوا في الأخذ بهما أشد اجتهاد وطلب ... خدمهما علماء العصر كالشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ عبد الله العنقري، عبد الوهاب بن فيروز بالحواشي مفردة..), وكذلك الشيخ عبدالله البسام رحمه الله في علماء نجد(4/272) نص على أن من آثاره التي خلّفها حاشيته على الروض المربع.

4. أن طريقة الشيخ عبدالله العنقري رحمه الله في الحاشية أنه يذكر أقوال العلماء في المسائل الفقهية المشهورة , قال الشيخ محمد بن مانع رحمه الله في مقاله عن الشيخ واصفاً طريقته في الحاشية:(يذكر المسألة من الروض, وينقل ما كتبه العلماء من غير استدلال ولا تعليل, طلباً للاختصار, كما فعله شمس الدين بن مفلح في الفروع وغيره), وقال الشيخ عبدالله البسام في علماء نجد(4/272): (جمعها من كلام العلماء وبعض تقاريره), وحتى في أجوبته عن بعض الأسئلة سلك الطريقة نفسها فمثلا جاء في الدرر السنية(7/77) ما نصه:(وسئل ... عن فرش المسجد، هل يجوز أخذ شيء منه أو يبقى في موضعه؟ أو يصرف في مصلحة أخرى للمسجد أو لغيره؟
 
أجاب الشيخ عبد الله العنقري: أنقل كلام العلماء وأشير إلى ما هو الراجح عندنا: قال في المقنع وشرحه الإنصاف للمحقق المرداوي، رحمه الله: وما فضل من حصره وزيته، جاز صرفه إلى مسجد آخر، والصدقة به على فقراء المسلمين؛ هذا هو المذهب نص عليه، وجزم به في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والوجيز وغيرهم، وقدمه في الفروع وغيره.

 وعنه: يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به، واختاره الشيخ تقي الدين. وقال أيضاً: يجوز صرفه في سائر المصالح وبناء المساكن، لمستحق ريعه القائم بمصلحته. انتهى. قلت: ما ذكره شيخ الإسلام هو الصواب، لأنه أسعد بالدليل من غيره).

وكذلك في مسألة انقطاع الوقف ونقله(ينظر:مجموع رسائل وفتاوى الشيخ العنقري, إعداد/الشيخ ناصر السلامة ص324).

فهل يمكن نسبة ما ورد من بعض فتاوى الشيخ التي تماثل منهجه في الحاشية لغيره؟ لكون الشيخ لم يكتبها بيده! هذا مما لا يمكن قوله.

5. أن الشيخ عبدالله رحمه الله لما انتهى من الحاشية سعى لطباعتها, فتولى طباعتها الأمير منصور بن عبدالعزيز رحمه الله, وقد طبعت بعد وفاة الشيخ رحمه الله , وكان مكتوباً عليها أنها من تأليفه, فلو لم تكن له لم يكن ليقر كتابة اسمه عليها أولاً, ولا سعى لطلب طباعتها ثانياً.

ومن نظر في الحاشية عَرَفَ فقه واضعها, وتمكّن مؤلفها, وقد أثنى عليها العلماء, ورجعوا إليها, فوصفها بالمفيدة ابن مانع رحمه الله في مقاله وفاة عالم, وكان الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله يحضِّر منها لدروسه ويقول: (إن العنقري طالت مدته في القضاء؛ لذلك فحاشيته عن علم وفهم وممارسة), وقال الشيخ عبدالله الصانع رحمه الله:(هذه الحاشية المفيدة, والدرة الفريدة), وقال الشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن في تأريخه تذكرة أولي النهى والعرفان(5/78) في معرض ثنائه على حاشية الشيخ: (جوهرة الزمان أتى فيها بالعجب العجاب).

قال عمر عبد الجبار في كتابه سير وتراجم بعض علمائنا ص186:(لا يضمك مجلس فيه علماء نجد وطلاب العلم إلا وتسمع منهم الحديث عن العلامة الشيخ عبدالله العنقري, وغزارة علمه , وورعه, وتواضعه, وحلمه, وصبره, وغير ذلك من كريم أخلاقه).
 
وقد أشرتُ في بداية المقال أني سأذكر حديثاً عن مؤلف الحاشية فأقول: هو الشيخ الإمام العلامة الفقيه الفرضي  عبد الله بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن العنقري التميمي, ولد ببلدة أخواله (أُثيثية) في 23/7/1290هـ  , ونشأ يتيماً , وكُفَّ بصره وهو في السابعة من عمره, قامتْ على تعليمه عمة له رحمها الله فحفظ القرآن, والمتون العلمية, سافر إلى الرياض طلباً للعلم عام 1311هـ, وأخذ عن علمائها منهم:الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف, الشيخ عبدالله بن عبداللطيف, والشيخ حسن بن حسين, والشيخ سليمان بن سحمان, والشيخ سعد بن عتيق وأجازه بجميع مروياته, والشيخ حمد بن فارس وغيرهم, قال الشيخ البسام رحمه الله:(مكث على هذه الحال أحد عشر عاماً, وكان مجداً مجتهداً في دروسه وتعلمه, كما أنه موضع العناية من مشايخه لما توسموا فيه من الذكاء, وما رأوا فيه من الإقبال) ( علماء نجد 4/267).

قال الشيخ العلامة سعد بن عتيق رحمه الله في مطلع إجازته للشيخ عبدالله ما نصه:(قد حضر عندي الشيخ النجيب, والعالم الفاضل اللبيب:عبدالله بن عبدالعزيز العنقري في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بعد الألف, فالتمس مني الإجازة بما رويته وأخذته وسمعته من مشايخي من أهل الحديث ... فلما سألني أخونا الشيخ المذكور ... أجبته إلى مطلوبه,وأسعفته بمرغوبه, وأن كنتُ لستُ أهلاً لذلك, ولا من فحول ما هنالك... فلذلك أقول:

وقد أجزت مع التقصير عن دركي *** لرتبة الفضل أهل الإجازات

وأسأل الله توفيقاً ومغفرة *** ورحمة منه في يوم المجازاة ).

وقال عنه الشيخ محمد ابن مانع رحمه الله في مقاله وفاة عالم:( العلامة المحدث الفقيه النحوي ... أخذ العلم عن جماعة...منهم العلامة المحدث الشيخ إسحاق ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن...وكان الشيخ إسحاق يسميه صاحب العمدتين يعني عمدة الحديث للحافظ عبدالغني المقدسي, وعمدة الفقه للإمام موفق الدين ابن قدامة).  
 
وقد رأى الشيخ العنقري رحمه الله في منامه في أول حياته أنه يمشي في طريق يسمى الحسينية في بلدته ثرمداء فقابله رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه قدح مملوءة حليباً فناوله إياه, وقال له: اشرب, فشرب نصفه, فقال له: اشرب, فشرب الباقي. قال ابن بسام في علماء نجد:(وقد أوّل هذه الرؤيا بالعلم الذي تعلمه وتضلع منه), وذكر أنه رأى في المنام الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وقرأ عليه شيئاً من الفقه والحديث, وكذلك رأى الإمام ابن تيمية رحمه الله.في عام 1321هـ تولى إمامة مسجد ثرمداء, ومهام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولّاه الملك عبدالعزيز رحمه الله قضاء منطقة سدير عام 1324هـ وكان يتنقل بين بلدانها الكبار , ثم استقر في المجمعة عام 1326هـ ودخل تحت ولايته القضائية الزلفي والأرطاوية وما جاورهما من قرى, وقد حدثني بعض كبار السن أنهم رأوا الشيخ العنقري رحمه الله أكثر من مرة يقف عند بابه يقضي بين المتخاصمين, فتنتهي المنازعة بقضاء الشيخ, (وكان يؤثر الإصلاح بين الخصمين سيما إذا لم يظهر الصواب, حتى إنه ربما أخر الفصل في القضية أياماً حتى يميل الخصمان إلى الصلح, [قال الشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله]:وقد لاحظت ذلك منه مراراً, وكنتُ أقول في نفسي هذا أمر لا ينبغي؛ لأن فيه تعطيلاً للمشاكل بدون حل, حتى وقفتُ على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(دعوا الخصوم حتى يصطلحوا, فإن فصل القضاء يُحدث بين القوم الضغائن, وأخِّروهم لعلهم أن يصطلحوا) ... فرجعتُ عن قولي وعلمت أن الشيخ على الحق) علماء نجد(4/277).
 
كان الشيخ عبدالله العنقري رحمه الله قد ملئ علماً وعقلاً وحلماً, ولذلك اختاره الملك عبدالعزيز رحمه الله في فتنة الإخوان في ذلك الزمان قال الشيخ عبدالله البسام رحمه الله :(بعث هذا العالم الكبير العاقل الفاهم لأمور الدين والدنيا ليقوم بالوساطة الرشيدة بين الطرفين... وقام.. بأمور هامة كثيرة جداً في مجال السلم والحرب والصلح العام. وإسناد هذه الأمور الهامة إليه تدل على ما له من كمال الثقة من الملك عبدالعزيز رحمه الله...[وقد ] طلبه الملك عبدالعزيز بعد وفاة الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله أن يكون مرجعاً في بلد الرياض, وألح عليه فاعتذر, فقبل عذره) علماء نجد (4/269و278).

ظل في القضاء ستة وثلاثين سنة,  طلب منه العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله أن يجيزه فأجازه وقد أثنى الشيخُ العنقري عليه في الإجازة ثناء عاطراً.

كان الشيخ عبدالله رحمه الله له المكانة الكبرى بين علماء زمانه قال الشيخ ابن عبيد في تأريخه(5/78):(كانت النصائح والرسائل الموجهة إلى الأمة باسم العلماء من أئمة هذه الدعوة الإسلامية من علمائها المتأخرين مفتتحة باسمه في جملة أسمائهم إذ يعتبر أنه من أعظم أئمة هذه الدعوة).

وكان له فضل على طلاب العلم إذ سعى رحمه الله في جمع أجزاء المغني لابن قدامة من داخل المملكة وخارجها إذ كانت أجزاؤه مفرَّقة لا توجد منه نسخة كاملة بأجزائها, فجمعها وأمر نخبة من طلاب العلم من أصحاب الخطوط الجميلة بنسخها, فلما نسخوا نسخة كاملة بعثها بها إلى الملك عبدالعزيز رحمه الله لتطبع, فأمر الملك بطباعتها.

كانت له مكتبة حافلة بالكتب النادرة, ونفائس المخطوطات, وله تعليقات على نونية ابن القيم, و تلخيصاً للفواكه العديدة كتاب ابن منقور رحمه الله, وكان قد عزم على وضع تأريخ يجعله ذيلاً على تأريخ ابن بشر رحمه الله بإشارة من الملك عبدالعزيز رحمه الله, لكن توفي قبل ذلك أن ينجز فيه شيئاً رحمه الله, وذُكِر أنه قام بإملاء بعض مواده على تلميذه عبدالرحمن الناصر صاحب تأريخ عنوان السعد والمجد, قال ابن عبيد في التذكرة (5/79و89) :( وكان يعتزم إصدار تأريخ لنجد في الفترة الوسطى والأخيرة, وبينما هو يجمع المراجع ويسجل الخطوط الأولى إذ وافاه أجله المحتوم على إثر مرض استمر قريباً من أربعة أشهر).

 وللشيخ العنقري رحمه الله رسائل كثيرة مبثوثة أكثرها فيما جمعه العلامة عبدالرحمن ابن قاسم في الدرر, وقد أهدى إليَّ الشيخ ناصر السلامة جزاه الله خيراً مجموع ورسائل وفتاوى الشيخ عبدالله العنقري, وقد ضمَّنه رسائل للشيخ لم تنشر من قبل.

وكان الشيخ العلامة عبدالله بن حميد يُشبَّه بالشيخ العلامة عبدالله العنقري رحمهما الله. 

قال الشيخ إبراهيم بن عبيد رحمه الله عن الشيخ العنقري:(رأيته يطوف بالبيت الحرام في آخر حجة حجها قدس الله روحه, وقد بلغ من الكبر عتياً وأرهقته الشيخوخة. فرأيت فاضلاً زكياً , يعلوه الوقار, وقد نحل جسمه, وضعفت بنيته, ومع ذلك فإنه يؤدي العبادة كشاب قوي, قد ابيض شعر لحيته وما كان يصبغ بالحناء ولا بغيره. كان طويل القامة فيه احدداب, وعليه هيبة العلماء, وسيماء الأتقياء) تذكرة أولي النهى والعرفان(5/78).
 
اشتكى الشيخ رحمه الله من مرض كان في بطنه وعندما سافر للرياض في الصيف اشتد عليه المرض فأشار عليه الملك عبدالعزيز بالسفر إلى لبنان للعلاج, فأجاب : بأنه سيعود إلى المجمعة إن كان كتب الله لي عافية وإلا يتوفاني عند أبنائي. رجع إلى المجمعة وبعد أشهر توفي رحمه الله, وفي ليلة وفاته: طلب من ابنه عبدالرحمن أن يوجهوا وجهه للقبلة وهو على فراشه, وقال له: نَمْ قريباً مني, وكان في أول الليل يشعر بحشرجة في صدره, وظن الابن أنها حشرجة الموت, وفي آخر الليل هدأت , وبعد أذان الفجر استأذن الابن في أن يصلي في المسجد أو بجانبه؟ فقال الشيخ: اذهب للمسجد, ولا تتأخر بعد الصلاة. ثم جاءت زوجة ابنه عبد الرحمن بالتراب لكي يتيمم به الشيخ, فأجلسته, وأسندته إليها, ثم تيمم الشيخ وصلى الفجر, وذكرتْ غفر الله لها وللشيخ أنه أدى صلاة الفجر, وكانت تسمع قراءته, فلما فرغ من صلاته, استأذنته في أن تضعه على فراشه, فقال لها: انتظري قليلاً, ثم بلع ريقه, وفاضت روحه, رحمه الله, وكان ذلك في يوم الاثنين 4/2/1373هـ  وقد بلغ من العمر اثنتين وثمانين سنة, وستة أشهر, وعشرة أيام.

  غفر الله للشيخ عبدالله ورضي عنه, وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأوفاه, وجمعنا به ووالدينا في الفردوس, وشكر الله للشيخ أحمد الجماز هديته التي حرَّكت القلم لكتابة هذا المقال .

 
كتبه/

د.  محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح

عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء